الثلاثاء، 27 أكتوبر 2015

فجر الدولة الإسلامية في العراق والشام









فجر الدولة الإسلامية في العراق والشام

أيمن جاويد التميمي

في سياق الحرب الأهلية السورية ظهرت  اثنين من الفصائل الرئيسية للثورة السورية يتشاطران أيديولوجية تنظيم القاعدة: جبهة  النصرة التي تأسست في بداية عام 2012 علي يد أبو محمد الجولاني، والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). في أبريل 2013 إقترح  أبو بكر البغدادي زعيم الدولة الإسلامية في العراق (حيث كانت الدولة الاسلامية في العراق مظلة لتنظيم القاعدة في العراق)، دمج جبهة النصرة والدولة الاسلامية في العراق. وبالتالي أعلن عن تشكيل كيان سياسي اسلامي جديد، داعش، والذي ضم  أراضي في العراق وسوريا (الشام). وكان البغدادي يري أن جبهة النصرة كانت في بداية نشأتها تتلقي الدعم المالي والقوات من الدولة الاسلامية في العراق، وبالتالي فإن جبهة النصرة التي تركز علي  سوريا هي مجرد "إمتداد" للتنظيم الذي يتخذ من العراق مقرا له. لكن الجولاني رفض اقتراح البغدادي لدمج جهودهم على أساس أنه لم يستشره. وقال في وقت لاحق ان جبهة النصرة جددت البيعة لأيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة .

في يونيو من عام 2013 كشفت قناة الجزيرة عن خطاب مسرب حكم فيه الظواهري لصالح الإبقاء على الفصل بين الدولة الاسلامية في العراق وجبهة النصرة في وسوريا على التوالي. وأصدرت شبكة الجزيرة لقطات فيديو للظواهري وهو يقرأ الرسالة بصوت عال في نوفمبر 2013. وفسر العديد من المراقبين هذا الإعلان التلفزيوني لزعيم تنظيم القاعدة أنه بمثابة تجديد الدعوة إلى حل داعش، على الرغم من أن مصادر داخل دوائر داعش أبلغوني أن شريط الفيديو المذكور كان يتم تداولة سرا  بين أعضائها لمدة شهور. وعلي أي حال، رفض البغدادي شخصيا الدعوة إلى حل داعش . وبالمثل، رفض أيضا المتحدث الرسمي الجديد  باسم  داعش  أبو محمد العدناني، وهو من قدامى المحاربين السوريين في حرب العراق، الاقتراح بكلمات قوية حتي بلغ به الحد الي اتهام الجولاني  ب"الانشقاق" ووجه تحذيرا  أن داعش لن تقبل حدودا خغرافية على أساس "سايكس بيكو".

هناك اختلافات في تركيبة نظام العضوية لكل من جبهة النصرة وداعش تستحق الملاحظة. في الواقع، الاختلافات بين الجماعتين لها أبعاد وطنية فضلا عن الأبعاد الأيديولوجية. جبهة النصرة تضم في صفوفها نسبة أكبر من الأعضاء من أصول سورية، في حين أن معظم الجهاديين الأجانب في سوريا أعلنوا ولاءهم لداعش. الاختلافات الوطنية بين الفصيلين هي اختلافات هامة. ولكن لا يجب أن  نبالغ  في هذه الاختلافات. معظم المقاتلين الأجانب في سوريا ممثلين بصورة غير متكافئة في القيادة وقوات النخبة  شبه العسكرية الخاصة بداعش. الغالبية العظمى من مقاتلي داعش من المراتب السفلي هم  مواطنين سوريين. لذلك، في حين أن هناك فرقا وطنيا واضحا بين الجماعتين، إلا أن ذلك ليس هو العامل الأكثر أهمية الذي يميزها عن بعضها البعض.

بعد أشهر قليلة من اعلان البغدادي تشكيل داعش لم تكن علاقته بجبهة النصرة في سوريا واضحة دائما.  فعلى سبيل المثال في مارس 2013 استولي أعضاء من فصيل محلي تابع لجبهة النصرة  تحت قيادة قائد محلي يدعى أبو سعد الحضرمي على مدينة الرقة. وظلت أسماء ورايات النصرة وداعش في جميع أنحاء المدينة حتى يوليو 2013. كان الحضرمي ، في الواقع، قد بايع البغدادي، لكنه لم يعترض على وجود جبهة النصرة. بحلول شهر يوليو من عام 2013  تغيرت الظروف وبايع  الحضرمي جبهة النصرة. وعلل ذلك بسبب مخاوفه بشأن سلوك داعش في الرقة ورأي أن استمرار الجهاد تحت اسم داعش يشكل عصيانا للظواهري.وبالتالي انسحب من الرقة مع أتباعه إلى مدينة طبقة، وأعلن العودة إلى الرقة في سبتمبر 2013 تحت راية جبهة النصرة.

وتعكس عودة النصرة إلى الرقة باعتبارها الفصيل الذي يختلف عنن داعش اتساع الفجوة بين الجماعتين على مر الزمن. النصرة لا تزال تتعاون مع داعش في الإدارة الشاملة للمدينة من خلال المشاركة في لجنة الشريعة بالرقة، وهي الهيئة الحاكمة التي كانت تضم أيضا الفصيل السلفي أحرار الشام. ومع ذلك، أصبح انعدام الثقة بين النصرة وداعش واضحا على نحو متزايد. وقد وصل التوتر بين المجموعتين الي درجة الغليان في الصيف الماضي. ففي أغسطس من عام 2013 طردت داعش الكتيبة الرئيسية التابعة للجيش السوري الحر في الرقة مما ترك العديد من المقاتلين في المدينة دون أن يعلنوا ولاءهم لأي جيش . ونتيجة لذلك بدأت داعش والنصرة  في التنافس على الاستحواز علي مجندين جدد من الذين كانوا يوالون سابقا الجيش السوري الحر. وعلى هذا النحو حاولت داعش الاستيلاء على بعض القواعد السابقة للجيش السوري الحر إلا أن النصرة تدخلت  لوقفهم باسم ولاء الجيش السوري الحر للنصرة . وتلي ذلك أعمال عنف بين المجموعتين المنتميتان لتنظيم القاعدة. وأوردت احدي وسائل الاعلام التابعة للمعارضة  والمسماة عكس السير  مؤخرا في نوفمبر  من عام 2013 أن داعش حاولت اللاستيلاء على قاعدة جبهة النصرة في الرقة مما أدى إلى تبادل اطلاق النار بينهم.  وشرح لي أحد المصادر المحلية بعد الحادثة أن القاعدة لم تكن مقصورة علي جبهة النصرة بل كانت ايضا مقرا لجبهة التوحيد، وهي كتيبة بايعت في السابق جبهة النصرة.

ورغم  الحروب وأعمال العنف بين داعش والنصرة ، وليس كل من بايعوا داعش أو جبهة النصرة معادون بالضرورة لأعضاء الفصيل الآخر. على سبيل المثال، أعلنت كتائب كتائب جند الحق، وهي كتيبة من المقاتلين السوريين التابعين للثورة  في بلدة البوكمال على الحدود مع العراق، في البداية نفسها فرعا من فروع جبهة النصرة. وفي وقت لاحق غيرت شعارها وبايعت داعش،  ثم عادت وانضمت إلى النصرة بعد ظهور رسالة الظواهري التي دعا فيها إلى الفصل بين الجماعة الجهادية العراقية والجماعة السورية. وخلال الفترة التي كانت فيها الكتيبة فرعا من فروع داعش كانت لا تزال هناك صور تؤيد جبهة النصرة علي صفحة الجماعة علي الفيسبوك ، مثل صور أعلام جبهة النصرة. وعلاوة على ذلك، في مقابلة أجريتها في نوفمبر 2013 مع الناشط الاعلامي لكتائب جند الحق  زيد أسامة أبوكمالي، أوضح ممثل الكتيبة  أنه على الرغم من الارتداد الحصري  لمبايعة جبهة النصرة إلا أن كتائب جند الحق لا تعادي داعش وتسعى للتعاون معها عبر الحدود، على الرغم من أنها تدعم توجيهات الظواهري للفصل بين داعش والنصرة في سوريا.

ورغم الأعمال العدائية المفتوحة كانت هناك الكثير من الحالات التي تمكنت فيها كلا من داعش والنصرة من التعاون في سوريا. ومن الأمثلة على ذلك حصار قاعدة الشعبة17 التابعة للجيش السوري في محافظة الرقة، وهو الهجوم المنسق ضد معاقل النظام في المنطقة الصحراوية في محافظة حمص، فضلا عن عمليات ضد ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية  وقوات النظام في منطقة القامشلي. وفي كلتا العمليتين نجحت كلتا الجماعتين في التوحد ضد العدو المشترك .

ورغم قدرة كلا الفصيلين علي التعاون، إلا أن  الانقسام بين النصرة وداعش ربما يعد أكبر انقسام داخلي  في الحركة الجهادية العابرة للحدود في بلد واحد. وهي أيضا الحالة الوحيدة المعروفة التي عصي فيها قائد محلي، البغدادي أمير داعش ، علنا أمير تنظيم القاعدة المركزي الظواهري. ، على النقيض من ذلك، قطعت جبهة النصرة شوطا كبيرا في الآونة الأخيرة للتأكيد علي ولائها للظواهري. في الواقع، بدأت النصرة في استخدام اسم بديل على أعلامها . "تنظيم القاعدة في بلاد الشام"، وسط محاولات مزعومة من جانب جماعات ثورية أخرى (مثل الجبهة الإسلامية التابعة لجيش الإسلام الجبهة وقائدها زهران علوش) لإبعاد جبهة النصرة عن تنظيم القاعدة.

وتقييم هذه الحالات من التعاون والاختلاف بين النصرة وداعش وآثارها على مستقبل ثورة الجهاديين في سوريا والعراق، تجدر الإشارة إلى أن القوى المحركة على الأرض بين الجماعتين لا تزال مرنة جدا . لكن حدوث صراع مفتوح على نطاق الوطن بين الفصيلين هو أمر مستبعد في الوقت القريب. وعلاوة على ذلك، بالنظر إلى الميول الأيديولوجية لقيادة جبهة النصرة الحالية، من المستبعد أيضا تخلي جبهة النصرة عن انتمائها لتنظيم القاعدة.

الاستراتيجيات السياسية للجهاديين

ومع تراكم الأدلة على وجود منافسة بين جبهة النصرة وداعش، حاول كلا الفصيلين تعزيز الدعم السياسي المحلي من خلال تكثيف جهود التواصل مع الجماهير. وقد ضمت محاولات كل منهما "لكسب القلوب والعقول" مجموعة واسعة من الأنشطة، من التوعية الإعلامية وتوفير المساعدات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية مثل تشغيل المخابز وتوفير الخبز بأسعار أقل من تلك الموجودة في السوق السوداء التقليدية. وعلاوة على ذلك، فقد تجنبت الجماعتين الانخراط في السلوك الإجرامي، وهي ممارسة تميزت بها حاليا جبهة النصرة بشكل إيجابي في نظر الرأي العام عن جماعات الجيش السوري الحر في المناطق الشمالية التي يسيطر عليها الثوار.

تميزت داعش عن كل الجماعات الثورية الأخرى في وصولها إلى السكان السوريين عن طريق استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بفعالية ملحوظة. والواقع أن مدى التواصل السياسي والإعلامي لداعش الرامي إلى حشد الدعم المحلي غير مسبوق في تاريخ الحركات الجهادية العالمية. فداعش تحاول أن تظهر في سوريا بطريقة أو بأخرى أنها  "تعلمت الدرس" من فشل تنظيم القاعدة في الاحتفاظ بالسلطة في محافظة الانبار وهزيمتها في نهاية المطاف في حرب العراق. عندما كان أبو مصعب الزرقاوي في قيادة تنظيم القاعدة وثورة الجهاديين في العراق تصرف تنظيم القاعدة بوحشية مفرطة تجاه السكان المحليين من العرب السنة. وقد ساعد هذا على إشعال "صحوات الأنبار" مما أسفر أثناء تقدم القوات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق عن تشكيل حركة الصحوات المناهضة لتنظيم القاعدة .

والآن تحاول داعش إظهار أنها حريصة على عدم تكرار تلك الأخطاء في سوريا. وبالفعل قامت داعش بعناية بوضع وتنفيذ استراتيجية سياسية تدعو إلى إنشاء مؤسسات سياسية خاصة بها. ونظرا لنجاح استراتيجية داعش فستتمكن من تحقيق مشروعها الأوسع العابر للدول: لإدماج الأراضي في كل من سوريا والعراق. وتتطلع داعش في المستقبل المستقبل لتحقيق رؤية جماعتها النهائية المتمثلة في إقامة الخلافة في العالم الإسلامي.

وتجاوزت سيطرة داعش السياسية على الأراضي السورية كل ما أنجزته الدولة الاسلامية في العراق خلال حرب العراق. وقد حافظت الجماعة على سيطرة مطلقة على بعض المناطق الشرقية في محافظة الحسكة وعدة معاقل علي  الحدود الشمالية في محافظات حلب وإدلب، مثل مدينة الشدادي في الحسكة  ومدينتي إعزاز وجرابلس في حلب، وحتى يناير ،2014 مدينة الدانا في إدلب. وحكمت الجماعة أيضا مناطق متعددة في المركز الحضري لحلب ومناطق المدن الكبري، مثل طارق الباب ومشهد.

 ومع ذلك فحتى الآن كان الأسلوب السائد للحكم الذي اتبعته داعش يتألف من الحكم المشترك من خلال التحالف مع مجموعات أخرى. ونتيجة لذلك، تفتقر داعش إلى القدرة على إزاحة المنافسين من غالبية المناطق التي لها وجود فيها. في محافظة حلب، على سبيل المثال، تشارك داعش السلطة مع الفصائل الثورية الأخرى في مدن مثل منبج و الباب. والواقع أن هناك توترات ظهرت في كلا المكانين بسبب وجود داعش: ويتهم السكان المحليين بانتظام داعش بفرض سيطرتها وحدها من جانب واحد على خدمات مثل المخابز وتوزيع الخبز. وفي محافظة إدلب كان هناك وجود لداعش في العديد من المدن، بما في ذلك معرة النعمان وسراقب. وفي محافظة الرقة، داعش هي أكثر الفصائل المهيمنةعلي عاصمة المحافظة وواحدة من الجماعات الرئيسية في بلدة تل أبيض  الحدودية الهامة . وهناك أيضا وجود لداعش في معظم معاقل الثوار المتبقية في محافظة اللاذقية على ساحل البحر المتوسط، وكذلك في مدن في محافظة  مدينة دير الزور جنوب شرق سوريا.

ووجود داعش في محافظة دمشق أقل من ذلك بكثير. كانت قد سيطرت علي موقع واحد يدعي  يبرود. لكن الجماعة  تدير معسكرا تدريبيا في الغوطة، وتتحرش بانتظام بقوات الأسد في جبال القلمون والغوطة الشرقية، وفي المناطق التي يسيطر عليها النظام في مدينة دمشق.على النقيض من ذلك، تفتقر محافظة درعا على الحدود الأردنية إلى وجود ملموس لداعش ويهيمن عليها جبهة النصرة.

بناء دولة داعش

تتميز داعش عن الفصائل الثورية الأخرى في سوريا بالموارده المالية. تتمتع داعش بدعم نقدي كبير من الجهات المانحة في الخليج العربي، وهي شبكة ابتزاز واسعة في محافظة نينوى شمال غرب العراق وتسيطر على بعض احتياطيات النفط في شرق سوريا. والأرجح أن الدعم المالي لداعش زاد بعد أن تمكنت الجماعة من تنفيذ هروبا ناجحا من السجن فن بغداد في يوليو 2013 حيث حررت مئات المقاتلين الذين سجنوا منذ تمرد 2006 في العراق

عندما تثبت داعش نفسها في منطقة جديدة، لا سيما  المناطق الخاضعة بالفعل لسيطرة الثوار، تسعي لتوطيد سلطتها من خلال التواصل مع السكان المحليين في شكل اجتماعات دعوية. والاجتماعات الدعوية بالنسبة لداعش هي فرصة لتبني علاقات مع السكان  المسلمين في محاولة لترويج رؤيتهم الأيديولوجية، وفي نفس الوقت تعزيز سلطتهم السياسية. وبالإضافة إلى عقد الاجتماعات في الأماكن العامة، تشمل أشكال أخرى من التواصل الدعوي توزيع منشورات دعائية توضح أيديولوجية داعش وإنشاء مكاتب دعوية .  وبطبيعة الحال كان قيام داعش بالدعوة مستمرا قبل بداية انشاء الجماعة في المنطقة. وفي محاولة لتأكد أن حكمها السياسيي سيدوم، استهدفت جهود داعش دعوة الأطفال بشكل خااص. وسعت الجماعة أيضا لتجنيد الأطفال خلال الأعياد الدينية الإسلامية من خلال تقديم الهدايا لهم. ووقعت أفظع هذه الحالات في مدينة الدانا، حيث وزعت داعش لعبا تحمل علامات تجارية غربية، ومنها سبايدرمان وتليتبيز، بمناسبة عيد الفطر المبارك.

وكجزء من استراتيجيتها الأوسع لتنشئة جيل جديد من السوريين يدعم أجندتها الأيديولوجية، تدير داعش أيضا عددا من المدارس في المناطق التي عززت وجودها بها. وعلي عكس حركة طالبان الأفغانية، لا تمنع داعش الفتيات من الذهاب إلى المدرسة، ولكن الجماعة تطبق الفصل بين الجنسين وتطلب من الفتيات عندما يبلغن الصف الخامس الابتدائي (أي الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و 11) ارتداء الزي الإسلامي الصحيح للحضور للمدرسة. وتقدم داعش خدمات أخري لإكمال توعيتها التثقيفية، مثل خدمات حافلات المدرسة في مدينة الباب بحلب .

ولا تتكون دروس داعش،  لكل من البنين والبنات،  من أي شيء عدا عن تلقين وحفظ القرآن والسنة والتفسير وتاريخ الخلفاء الراشدين .تشير بعض الأدلة أن داعش تستخدم الكتب المدرسية في المدارس في الرقة وجرابلس أغلفتها ومحتوياتها نقلت مباشرة من وزارة التربية والتعليم السعودية.فالكتاب الخاص بمادة التوحيد، التوحيد: العقيدة الوسطى في الإسلام، هو أبرز الأمثلة الجديرة بالذكر. وبسبب محدودية مناهج داعش، لا يوجد لدي الجماعة إلا القليل لتقدمه وصولا الي  التعليم الجامعي التقليدي. ففي الرقة، حيث يوجد عدد من الكليات، استخدمت داعش مرافقها لاستضافة اللقاءات الدعوية لطلاب الجامعات. وفي مدن مثل الرقة توفر داعش أيضا التعليم في المساجد.

أقامت داعش أيضا بالإضافة إلى المبادرات التعليمية المحاكم الإسلامية في المناطق التي تتواجد بها. وتعتبر داعش أن الشريعة هي المصدر الوحيد للتشريع، ويتضمن تطبيق "العدالة الإسلامية" استخدام العقوبات الجسدية " الحدود " في مجموعة متنوعة من الجرائم مثل السرقة والالحاد. يتم تطبيق الشريعة أيضا في النزاعات العائلية. وبالإضافة إلى إدارة المحاكم الإسلامية بدأت داعش أيضا في توفير إنفاذ القانون؛ فأنشأت في بعض المناطق مراكز للشرطة لديهم سيارات دورية خاصة بهم. واستهدفت فرق تطبيق الشريعة التابعة لداعش "جنود علويين" متهمين بأنهم يدافعون عن نظام الأسد، وكذلك زعماء ثوريين منافسين معروفين بأنهم أمراء حرب. وفي الآونة الأخيرة قضت فرق "شرطة" داعش في محافظة حلب علي عصابة معروفة باسم غرباء الشام . وفي الوقت الذي عرف عن جماعة غرباء الشام فكرها " المعتدل" بالمقارنة بجماعة داعش التي تستلهم فكر تنظيم القاعدة، كانت تلك الجماعة تشتهر بالإجرام، ليس فقط في نظر داعش بل أيضا في نظر مجموعة متنوعة من الفصائل الثورية الأخرى.

وقد طبقت داعش في سوريا أيضا المفهوم الكلاسيكي للشريعة المعروف بالزمي  في سلوكها تجاه الاقلية المسيحية. وهكذا يعامل المسيحيون كمواطنين من الدرجة الثانية، وتهدد أرواحهم وممتلكاتهم في حالة انتهاك شروط الذمة (على سبيل المثال دفع  الجزية). في تل أبيض، على سبيل المثال، دنست داعش الكنيسة الأرمنية المحلية في نهاية أكتوبر 2013 على أساس أنها تنتهك اتفاق الذمة. وفي الوقت نفسه استغلت داعش فرار معظم المسيحيين من العنف الطائفي في الرقة لتحويل الكنائس إلى مكاتب دعوية تديرها داعش

وتقدم داعش خدمة أخرى في جهود التوعية التي تقوم بها بتوزيع الخبز. كلما تحركت داعش لطرد الفصائل المتناحرة من منطقة (مثل جماعة عاصفة الشمال من أعزاز وجماعة لواء أحرار الجزيرة من بلدة ياروبيا علي  الحدود الشرقية، التي طردت منها داعش علي يد في وقت لاحق من قبل وحدات الدفاع الشعبي الكردي)، وبالتالي خفض الإداريين التابعين لداعش  سعر الخبز لاستمالة السكان المحليين الذين يظهر عليهم التعاطف لفصيل منافس. وبطبيعة الحال، الخبز وحده ليس هو الشكل الوحيد من أشكال  المساعدات الاقتصادية  المقدمة، ففي بعض ضواحي حلب طبقت داعش نظام البطاقة التموينية الرسمي.

منذ أيام 11 سبتمر يدور جدل في كثير من الأحيان بين الكتابحول ماهية أهداف تنظيم القاعدة والجماعات المنتمية لها. يصف البعض تنظيم القاعدة بأنه بمثابة رد فعل على السياسة الخارجية الغربية في الشرق الأوسط، ويحددون أهداف الحركة الجهادية بأنها تقتصر على طرد القوات الأجنبية من العالم الإسلامي. ويرى آخرون أن أهداف تنظيم القاعدة  أكثر طموحا من ذلك بكثير، وتركز على إقامة نظام سياسي إسلامي جديد. ويشير تصوير داعش لأهدافها الخاصة في سوريا والعراق أنها تسعى إلى إقامة دولة إسلامية يمكن أن تصبح نواة خلافة اسلامية جديدة  نسعى في نهاية المطاف للهيمنة على بقية العالم. ورغم خلافات داعش الحالية مع الظواهري إلا أنها التزمت تلتزم بالقول المأثورلأسامة بن لادن أن هناك ثلاثة خيارات فقط في الإسلام: إعتناق الاسلام والخضوع  أو الموت. وتتناقض تلك الأهداف التي تمثلها داعش في سوريا مع الصورة التي تحاول أن ترسخها لنفسها في العراق، حيث تفتقر الى أي سيطرة ملموسة على الأراضي وتفتقر الي آليات إنشاء شبه دولة.وحاولت داعش في العراق تصوير نفسها على أنها مدافعة عن السكان السنة  ضد استفزازات الحكومة "الصفوية".

وتظهر طموحات داعش الكونية جلية في شهادات الفيديو لأعضائها في سوريا. في إحدي الحالات أعلن مقاتل من داعش يدعى أبو عمر الأنصاري، الذي شارك في العملية التي قادتها داعش للاستيلاء علي قاعدة مناغ الجوية في محافظة حلب في أغسطس 2013، أنه من الضروري إقامة دولة إسلامية في العالم بأسره، وأن المشروع لا يقتصر على سوريا. وفي احدي الشهادات في فيديو آخر عبر مقاتل أمريكي في صفوف داعش يسمي أبو دجانة الأمريكي عن مشاعر مماثلة: "سيحكم الإسلام  العالم بأسره" وعبر أيضا مقاتلين بريطانيين في صفوف داعش التقت بهم صحيفة فايسعن نفس وجهة النظر .  وخطاب داعش بالفعل أكثر انفتاحا على مسألة بناء خلافة تتخطي الدول من جبهة النصرة، وأثر بشكل واضح علي الاستراتيجية السياسية للحركة. ففي حلب أقام  أنصار داعش "شبكة تنسيق  دولة الخلافة" لتنظيم مظاهرات تطالب بإنشاء خلافة اسلامية. وتحدث هذه المسيرات بشكل منتظم بعد صلاة الجمعة في مناطق في حلب كانت معاقل لداعش مثل منطقة طارق الباب.

وعلى المدى الأقرب، صرحت داعش أن هدفها الأكثر إلحاحا هو إقامة دولة إسلامية تمتد عبر أراضي العراق وسوريا. وبهذا تصرفوا وفقا لتصريحات البغدادي أن جبهة النصرة والجهاد الحالي في سوريا هم مجرد "إمتدادات" لحملة داعش في العراق. وبعد أن نجحوا في إقامة المؤسسات لشبه الدولة في العديد من المجالات، زادت جرأة داعش في التعبير عن رغباتها الحقيقية، أي أن تصبح نقطة انطلاق لجهاد أكبر يتخطي الحدود الوطنية .

استنتاج

تجسد داعش في سوريا ثلاثة اتجاهات جديدة هامة للتطور الشامل لحركة الجهاد العالمية. أولا، وجود الجماعة في سورية يمثل تحديا صريحا للقيادة المركزية لتنظيم القاعدة، وتوجيهات الظواهري على وجه الخصوص. وقد أدى الي انقسام غير مسبوق في الحركة الجهادية في الهلال الخصيب. ورغم  سعى داعش لتحقيق نفس الرؤية السياسية التي تتجاوز الدول مثل القيادة المركزية لتنظيم القاعدة ، يتعمد زعيم داعش  البغدادي الغموض حول مبايعة جماعته  للظواهري. هل يسعي أبو بكر البغدادي لتأسيس نفسه على انه الخليفة من خلال إطلاق مشروعه لبناء الدولة الاسلامية الخاصة به في سورية مستقلا عن توجيهات الظواهري؟ إذا كان الأمر كذلك، سيصبح التقاتل بين داعش وجبهة النصرة، وأميرها الظواهري،  حتمية منطقية. هل ستزيح داعش وزعيمها أبو بكر البغدادي في نهاية المطاف زعيم تنظيم القاعدة المركزي الظواهري بإعتباره الشخصية التي تمثل المرجعية للمقاتلين الجهاديين وأنصارهم في جميع أنحاء العالم؟ سيعتمد هذا، بطبيعة الحال، في نهاية المطاف على داعش ونجاح جهودها في سوريا.

ثانيا، حققت داعش في سوريا مستوى من النجاح في تأسيس دولة إسلامية لا يقارن بأي نجاح حققه أي فرع من فروع تنظيم القاعدة أو أي جماعة تقاسم تنظيم القاعدة أيديولوجيتها . وبسبب جهودها لتصميم وتنفيذ استراتيجية سياسية من خلال الخدمات الاجتماعية والإعلام والتوعية التثقيفية، فمن المرجح أن تصبح داعش في سوريا نموذجا للحركات الجهادية الحالية والمستقبلية التي تسعى إلى تعزيز سيطرتها على الأرض في بيئة ينعدم فيها القانون. ثالثا، على الرغم من الخلاف بين أعضاء داعش حول ما إذا كانت داعش فرعا تابعا لتنظيم القاعدة، إلا أن داعش في سوريا هي التي ربما تعبر أكثر صراحة عن الأهداف الحقيقية الطويلة الأجل لحركة الجهاد العالمية، وهي: إقامة الخلافة التي ينبغي أن تشمل العالم بأسره.

ومع ذلك فإن قابلية الحياة "لبناء دولة" داعش وتواصلها السياسي موضع شك خطير. الوضع في سوريا هو ببساطة شديد الانقسام  لدرجة لا تسمح لداعش بتوحيد البلاد ككل في ظل حكمها. ولكي تحقق داعش هذا الهدف تحتاج لفتح العديد من جبهات القتال، وهو النهج الذي كلف داعش بالفعل فقدها السيطرة على بعض الأراضي الهامة داخل سوريا. ويتضح هذا جليا في الصراع  المفتوح بين داعش وميليشيات وحدات الدفاع الشعبي الكردية في أعقاب طردها من بلدة رأس العين الحدودية الشمالية في يوليو 2013. وفي حين سارعت التصدي لميليشيات وحدات الدفاع الشعبي وطردهم من مواقع متعددة في محافظتي  الرقة وحلب (مثل منطقة جرابلس في يوليو 2013، وتل أبيض في أغسطس)، تعرضت الجماعة لانتكاسات خطيرة في أقصى الشمال الشرقي علي يد وحدات الدفاع الشعبي. ونتيجة لذلك كان علي قادة الاعتماد على تعزيزات من محافظة نينوى في العراق. وقد أدى هذا التحويل للقوات إلى الشمال الشرقي الي وجود نقاط ضعف  علي طول جبهة حلب ضد قوات النظام. ونتيجة لذلك استطاع نظام الأسد لاستغلال إقتتال الثوار في منطقة حلب واستعاد بعض الأراضي.

ويضاف الي ذلك أنه على الرغم من التوعية السياسية التي تقوم بها داعش، إلا أنها تواجه مجموعة مشاكل أساسية في التعامل مع الفصائل الثورية الأخرى، وبالتالي، في تعزيز السيطرة السياسية. ويرجع هذا جزئيا الي أن داعش ترى نفسها بالفعل ليست مجرد "جماعة" أو "حركة" مثل الثوار الآخرين بل "دولة" لديها صلاحيات لتحكم كل الآخرين. ولذلك فداعش غير مستعدة أصلا لتقاسم السلطة، وغالبا ما تتبنى نهجا شديد الوحشية في التعامل مع الفصائل الثورية الأخرى. والواقع توجد جماعات في العراق، مثل جماعة أنصار الإسلام، وأيضا في سوريا، مثل أحرار الشام، يشتكون من استعصاء داعش. ومن المرجح أن تتزايد التوترات بين داعش والجماعات الثورية الأخرى، كما يتبين من الإقتتال الدائر بين داعش وجماعات ثورية أخرى في محافظات حلب وإدلب  والرقة ودير الزور . في يناير 2014 قتلت داعش شخصية قيادية في أحرار الشام، أبو ريان، الذين سعي للوساطة في النزاع بين أحرار الشام وداعش حول استيلاء الأخير علي بلدة في حلب تسمى مسكنة.

وحسب كل الاحتمالات، سيفاقم القتل التوترات القائمة بين الفصائل الثورية الاسلامية. وفي الوقت الحاضريوجد  ائتلافين ثوريين - هما جيش مجاهدي حلب وجبهة ثوار سوريا في حلب، ملتزمتان بطرد داعش من سوريا. وكان الائتلاف الثالث الذي تشكل في نوفمبر 2013، وهو الجبهة الإسلامية، أكثر غموضا فيما يتعلق بداعش.فبينما كان بعض مقاتليها يشتبكون مع داعش، لم يعلن قادة الجبهة الاسلامية عن وجود رغبة لديهم في تدمير داعش، وإنما افتقرت إلى القدرة على كبح جماح مقاتليها في مناطق مختلفة.

أضعفت داعش نفسها بسبب القتال في جبهات كثيرة للغاية. وانتشرت في مختلف المدن بكثافة ضئيلة جدا حيث سعت إلى تعزيز  سيطرتها السياسية . في 10 يناير 2014  طرد الفصائل المتناحرة داعش تقريبا من جميع مناطق إدلب - باستثناء بلدة سراقب. وفي حلب لا تزال مدينة أعزاز هي المعقل الكبير الوحيد لداعش في محافظة الرقة. و ومع ذلك حتى هناك مضطرة داعش  لمواصلة قتال المسلحين الذين يرفعون راية الجيش السوري الحر ممن بايعوا جبهة النصرة في مدينة الرقة. وفي محافظة دير الزور إندلع قتال في مدينة الميادين بين أحرار الشام وداعش، وتوج بفجير انتحاري بسيارة ملغومة نفذته داعش في مقر أحرار الشام في المدينة.

وجدير بالذكر أن الجماعات الثورية التي تعارض داعش تختلف عن تلك الجماعات  التي تحولت في نهاية المطاف لتصبح حركة "الصحوات" في العراق في ثلاثة جوانب مهمة. أولا، مقاتلي الجبهة الإسلامية يرفضون عموما تلقي دعم غربي لقتال داعش. ثانيا، الإقتتال كان عفويا وانتهازيا، وليس مبادرة مخططة مسبقا ضد داعش. على سبيل المثال، أثار مقتل أبو ريان مظاهرات واسعة النطاق في المدن السورية الشمالية ضد داعش، مما سمح لأعضاء الجبهة الثورية السورية وجيش المجاهدين استغلال الفرصة لمهاجمة داعش. وأقحمت المشاحنات التي تلت ذلك الجبهة الإسلامية في الصراع. ثالثا، هناك درجة من المحلية في هذه الاشتباكات: فلا يزال مقاتلي أحرار الشام يتعاونون مع داعش في جبهة القامشلي ضد وحدات الدفاع الشعب الكردية، وترفض بعض فروع أحرار الشام (على سبيل المثال في تل الابيض) قتال داعش. وبالمثل، تحاول جبهة النصرة لعب دور الوساطة في محافظات دمشق وإدلب وحماية مقاتلي داعش في القلمون.

وكانت خسائر داعش لللأراضي حتي الان كبيرة، ولكن لا يجب تفسير الاقتتال بين هذه الجماعات الإسلامية الثورية على أنه بداية نهاية داعش في سوريا. فبإمكان الجماعة أن تتراجع في الظلال في الحرب مع جميع ثوار "الصحوات"  (على حد تعبير المتحدث باسم داعش في خطابه الأخير حول الاشتباكات)، ويمكنها متابعة الهجمات التخريبية السرية في محاولة لإضعاف منافسيها داخل صفوف الثوار. وبالتالي قد تصبح التفجيرات والاغتيالات التي تستهدف بها داعش ميليشيات الصحوات التي نلاحظها في العراق بانتظام اليوم هي النمط الجديد في سوريا.

ومنذ يناير عام 2014 كانت داعش تتلقي إدانات شديدة من القيادة المركزية  لتنظيم القاعدة بسبب تصرفاتها الوحشية تجاه الجماعات الثورية المتنافسة . ففي احدي الحالات في مدينة جرابلس قام انتحاري من داعش بتفجير سيارة ملغومة استهدفت ثوار آخرين مما أدي لمقتل 33 شخصا. وحينها أصدر  أبو خالد السوري، الرجل الذي عينه الظواهري للتوسط بين داعش وجبهة النصرة، بيانا نأى ببن لادن والظواهري، وحتى أبو مصعب الزرقاوي من "جرائم" داعش  الأخيرة . وطالب  أعضاء داعش بالتوبة. ويبدو الآن أن الفجوة بين القيادة المركزية لتنظيم القاعدة وداعش ستستمر في التزايد.

http://www.hudson.org/research/10169-the-dawn-of-the-islamic-state-of-iraq-and-ash-sham

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق