الأحد، 14 فبراير 2016

هل سيضغط أردوغان علي القوات المسلحة لغزو سوريا ؟




في الثالث من فبراير وجه الجيش السوري ضربة استراتيجية لأنقرة عندما قطع الطريق البري بين حلب ومعبر باب السلامة الحدودي مع تركيا في محافظة كيليس التركية . وكان يمثل الإحتفاظ بهذا الطريق المؤدي الي حلب مفتوحا أهمية حيوية للرئيس رجب طيب اردغان ورئيس الوزراء احمد داوود اوغلو اللذان استخدما كل الوسائل التي في حوزتهم لاسقاط الرئيس بشار الأسد ما عدا ارسال قوات الي سوريا

كان هذا الطريق يشكل أهمية حيوية لتركيا لسببين مرتبطين ببعضهما البعض . السبب الأول يتمثل في أن المقاتلين والأسلحة والزخيرة والامدادات الاخري التي تتدفق من خلال هذا الطريق المؤدي الي حلب سمحت للثوار بتعزيز وجودهم العسكري في أكثر مدن سوريا تعدادا للسكان وبالتالي سمحت بحفاظهم علي طموحاتهم السياسية في هذا الصراع . أما وقد قطع الطريق في الوقت الحالي توقع النظام السوري أن حصار حلب يعني إحتمال هزيمة قوات المعارضة

السبب الثاني أن الاراضي التي تستحوز عليها المعارضة في أرض المعركة وفي أي عملية للحل السياسي - بفضل وجودهم في حلب - ستمنح أنقرة موضع قدم في سوريا رغم تطلعها لاسقاط النظام .وبالتالي بعد سقوط حلب ستجد أنقرة نفسها مهمشة الي حد كبير في العملية السياسية السورية .


إذن فالسؤال الان هو : ماذا سيفعل اردوغان للاحتفاظ بموضع قدم في سوريا بعد خسارته الاستراتيجية في حلب ؟ هل سيعترف بالهزيمة أم سيلجأ لاخر لوسائل الملاز الأخير ؟ بمعني هل سيرسل القوات التركية الي سوريا ؟

بعد يوم واحد من قطع طريق حلب إدعي المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية إيغور كوناشينكوف " تجهز بنشاط لغزو " سوريا، وأضاف " بدأنا نكتشف المزيد والمزيد من الاشارات علي مشاركة القوات المسلحة التركية في استعدادات سرية للقيام بعمليات عسكرية مباشرة في سوريا "

وفي اليوم التالي رد اردغان متحدثا في مؤتمر صحفي أثناء زيارته للسنغال قائلا : " أحيي هذا التصرف من طرف تركيا بإبتسامة . علي روسيا أن تتحمل أولا مسئولية الناس الذين تقتلهم في الاراضي السورية "

ولم ينفي بيان أردوغان، الذي انتقد روسيا علي أسس أخلاقية، أو يؤكد الاستعدادات المزعومة لغزو سوريا . وعلي كل حال لم نكن نتوقع صدور تأكيد لكن الإنكار القاطع كان أمرا محتملا . وبدلا من ذلك عبر اردوغان بلغة غير مباشرة لكنها واضحة بما فيه الكفاية عن رغبته في ارسال قوات تركية الي سوريا، وشدد علي أنه لا يجب تكرار " غلطة" سنة 2003 . وكان يشير الي رفض البرلمان التركي إقتراح الحكومة التركية الذي كان سيجيز استخدام الجيش الامريكي للاراضي التركية لغزو العراق ونشر قوات تركية في شمال العراق .

وقال اردوغان : " لا نريد أن نكرر غلطة العراق في سوريا . الوضع في العراق كان بإمكانه أن يصبح أفضل اليوم لو تواجدت تركيا في العراق ولكانت تركيا تجلس علي الطاولة لو تم الموافقة علي الاقتراح . من المهم أن تتطلع للأمام " في اشارة الي التدخل الروسي في سوريا والمكاسب التي حققها النظام السوري عقب ذلك . وأضاف اردوغان : " الأوضاع في سوريا قد تستمر علي هذا النحو لفترة معينة من الوقت ولكن ليس بعد نقطة معينة . وواجب تركيا أن تحمي مصالحها الحساسة "


وبتلميح اردوغان أن التدخل العسكري هو السبيل الوحيد المتبقي ليكون له القول الفصل في مستقبل سوريا فهو يعترف فعليا أن سياسته في سوريا قد فشلت . المعني الحقيقي لكلماته هو ان تركيا لن يكون لها مكان علي طاولة المفاوضات السورية إلا اذا ارسلت قوات برية الي سوريا في حرب لها عواقب قد تطول بشكل غير متوقع

وحيث أن الجيش التركي لا يستطيع الذهاب الي سوريا للاستيلاء علي حلب من النظام ويسلمها للجهاديين فهنا تنشأ الأسباب المشروعة للتدخل الأحادي بزريعة قتال الدولة الاسلامية ( داعش ) . وفي هذه الحالة تصبح الاراضي المعرضة للغزو هي المنطقة الحدودية التي تسيطر عليها داعش وتمتد علي طول 90 كيلو متر من مدينة جرابلوس في الغرب الي خط حرجالة - مانيع . ويمكننا افتراض احتمال احتلال بعض الاراضي في العمق السوري لضمان السيطرة علي المنطقة .

ومن الواضح ان الهدف الحقيقي لهذا التدخل لن يكون داعش بل سيكون حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا وجناحه العسكري، وحدات حماية الشعب، الذي تعتبره أنقرة أحد فروع حزب العمال الكردستاني وبالتالي يشكل تهديدا لها. ولو حكمنا علي تصرفات الولايات المتحدة حتي الان فإنه من شبه المؤكد أنها ستعترض علي أي عمل تركي يتحول الي عملية تستهدف وحدات حماية الشعب التي تعتبرها حليفها المحلي الأكثر ثقة في حربها ضد داعش . 

ويدعو اردوغان الان الولايات المتحدة ان تختار بين تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب اللذان يصفهما بالارهابيين . لكن هذه الدعوات ليست لها معني في السياق السوري لأن الجيش التركي بصفته قوة أجنبية لا يصلح كبديل عن حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعد القوة المحلية الأساسية التي تقاتل داعش . وعلي الجانب الاخر مجاراة تركيا سيرقي الي الموافقة الضمنية علي غزو دائم يؤثر علي المناطق الكردية . وبالتالي من المتوقع أن يضع الغزو التركي إسفينا بين أنقرة وحلفائها الغربيين الذين سيعترضون علي هكذا خطوة .

يضاف الي ذلك وجود احتمال كبير أن تتجاوز  ردود الاكراد والنظام في دمشق وروسيا وايران وحتي داعش التي ستتعرض لها القوات التركية " الاعتراضات " وسيكون لهذه الردود طبيعة عسكرية . وفي نهاية المطاف قد تجد أنقرة نفسها تقاتل أكثر من عدو في نفس الوقت . ولن تصلح عضوية تركيا في الناتو كرادع في هذه الحرب لأن سوريا ليست عضو في منطقة الدفاع الخاصة بالحلف الغربي . وتفعيل الناتو للمادة 4 و المادة 5 الخاصتين بالدفاع المشترك غير واردة عند تعرض القوات التركية للهجوم في سوريا .

لذا فكل ذلك يتوقف علي هل ستقاوم القوات المسلحة التركية نوايا اردوغان إقحام تركيا في الحرب . وسنري الاجابة النهائية علي هذا السؤال، إلا أن كل المؤشرات حتي الان تشير الي ان الجيش يتردد في التدخل العسكري منذ بداية الصراع في سوريا . وتشير التقارير الصحفية الاخيرة الي أن القيادة العسكرية التركية لا تزال متمسكة بموقفها . وقد نشرت صحيفة حرييت في 10 فبراير علي صفحتها الاولي تردد الجيش في التدخل العسكري، نقلا عن " مسئول كبير " تبين أنه ضابط في الجيش .

وجاء في تقرير الصحيفة التالي : " هيئة الأركان اتخذت قرارين مهمين بخصوص الانتشار العسكري للمجتمع الدولي في سوريا . أولا، الولايات المتحدة تعلم أنه ليس في استطاعتها اصدار قرار من مجلس الأمن بسبب الموقف الروسي وبالتالي فهي لا تعد أي تجهيزات بهذا الخصوص . ثانيا، لن تطأ القوات المسلحة التركية بقدمها في سوريا دون قرار من الأمم المتحدة "


وقد أثبت اردوغان طوال سنوات أنه قائد يتراجع من وقت لاخر لكنه لا يساوم أبدا فهو دائما يلعب لعبة المحصلة الصفرية . فردا علي خسارة السلطة يلجأ بالغريزة الي استخدام السلطة مرة اخري . ولم يؤدي شعور العظمة وعبادة الشخصية التي نسجها حوله الا الي تعزيز شخصيته السياسية

ونظرا لإنشغال اردوغان بسوريا فإنه سيرغب مرة أخري في استخدام القوة ليحقق مراده . والقوة الوحيدة التي تحت تصرفه هي القوات المسلحة التركية التي تبدو مترددة في أن يتم استغلالها لهذا الغرض . وبإختصار، مقاومة القوات المسلحة التركية لاردوغان هي السبيل الوحيد لتجنيب تركيا في الوقت الحالي مغامرة مقدر لها أن تجرها الي كارثة .

مقال للكاتب التركي قدري غورسيل
من موقع المونيتور
ترجمة اشرف محمد
بتاريخ 11 فبراير 2016


http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/02/turkey-syria-erdogan-eagerness-for-military-intervention.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق