الأحد، 6 نوفمبر 2016

معركة حلب




بدأت معركة مدينة حلب بإطلاق نار لا يأتي فقط من شرق المدينة بل من جنوب غرب المدينة من الاراضي التي تسيطر عليها جبهة النصرة وحلفائها الاسلاميين. لكن هذه ليست العاصفة الفولازية التي يريد الاعلام الدولي أن تصدقها .



المطر هو من كان عليه أن يبلغنا. في الليلة الماضي طارت الطائرات علي ارتفاعات عالية فوق حلب، وسمعنا من وقت لاخر انفجار القنابل التي تلقيها في مكان بعيد في الأرياف خلف المدينة. ثم صب حمام دافيئ رقيق علي أنقاض وسط المدينة وغطي الشوارع والشقق السكنية في غرب حلب برزازات المطر. ثم حل علي المدينة صمت غريب. وجلب الفجر معه سماء بنية ملبدة بالغيوم لا يتمكن من خلالها لا الطيارين السوريين ولا الروس من رؤية الأرض الا اذا اختاروا التحليق علي ارتفاعات منخفضة في هذا المطر الغزير، وهو ما لن يغعلوه أبدا

كان ذلك عندما بدأ قصف غرب حلب. إخترقت قزائف الهاون والصواريخ المدينة مصدرة صوت هدير متواصل وقوي. وهو ما ترك سؤالا واحدا فقط في أذهاننا : كيف حصل بضعة الاف من مقاتلين أكثريتهم اسلاميين علي كل هذه الزخيرة، وسط أنقاض شرق حلب التي يوجد بها عشرات الالاف من المدنيين العالقين . ؟ وهاجمت دبابات الجيش السوري بعيدة المدي المتمركزة علي التل الواقع خلف فندق ميريديان القديم المنطقة الشرقية حيث بدأت بقع الدخان الرمادي في الالتفاف وتحويل لون السماء الي لون أشهب داكن

لم تكن تلك هي العاصفة الفولازية التي يود الاعلام - وأكثره يتواجد في بيروت البعيدة - أن يصدقها العالم. حرب حلب المقسمة شنت منذ فترة طويلة جدا وشعبها حوصر ثم حوصر مرة أخري - سواء في شرق أو غرب حلب - حتي أن خطوط الجبهة تحولت الي أميال مربعة من الغبار والأنقاض يكاد يكون المرور منها صعبا. قد تنضم لجوقة المبالغات عن سيربنيشا وغروزني، لكن هذا لا يشبه حتي ستالينغراد

لكن هذا الهجوم هز النظام والمدنيين في غرب المدينة. وبعد تناول وجبة الإفطار أثناء تحديقي شرقا عبر الأمطار نحو القلعة العتيقة، صدر صوت طرقعة مفاجئة عندما ارتطمت قذيفة بمبني مكتب المحافظ الحديث . رأيت قطعا من جانب المبني تتطاير في الهواء.وكان محافظ حلب، الذي أغلق مقره بحواجز أسمنتية مضادة للسيارات المفخخة، في أمان في دمشق حيث كان في اجتماع مع الرئيس بشار الاسد وقادة محليين اخرين. لكن اخرين لم يحالفهم الحظ.

ففي منتصف النهار كان الجيش السوري يعلن عن مقتل سبعة - وهو رقم قليل ويكاد يكون ضئيلا عندما تتذكر المقابر الجديدة الممتلئة في هذا المكان - لكن القصف كان له أثرا مأساويا في الشوارع. طقطت السماعة المعلقة علي منارة المسجد الذي يبعد حوالي 100 ياردة - تلك " الطقطقة " والصفير لنظام الصوت هي مقدمة لدعوة كل المصلين في كل الشرق الاوسط - وصاح صوت مناديا : " إنهم يهجمون. انهم يهجمون. انهم قادمون من الشمال من زهرا وبنيامين متجهين نحو الحمدانية " .

وكانت هذه اول اشارة اعطيت لكل شخص في الشارع ان النيران القادمة لا تأتي فقط من شرق حلب بل من جنوب غرب المدينة، من الحقول والمصانع المخربة ومزارع مياه الصرف الصحي المحطمة في المنطقة التي لا تزال تسيطر عليها جبهة النصرة وحلفائها الاسلاميين الذين تسللوا طوال الطريق شمال الحدود التركية - حيث تصل اليهم الاسلحة من هناك بانتظام لتزيد من مهرجان العنف هذا

الحروب تلهم نسختهم الهوليودية للواقع، وفي مقر حزب البعث المظلم وسماع دوي انغجار في الخارج، سمعت إشاعات عن الحرب ستصبح بكل تأكيد لغزا في الايام القادمة. شوهدت الطائرات الامريكية تلقي بامدادات الاسلحة في شرق حلب. الطائرات السورية حذرتهم لكن بعض الباراشوتات قد شوهدت. " أعتقد ان هناك فيديو "، أضاف أحد المسئولين الذي لو لم يقل ذلك لكان عقلانيا وذكيا

بالطبع لا يوجد فيديو، ولن يوجد، ولن تستطيع طائرة ميج أيا كان موقعها تحدي القوة الجوية الامريكية. وامريكا لن تستفذ روسيا بارسال قاذفاتها من تركيا الي حلب. علاوة علي ذلك، نظرا لميل الامريكيين لعدم الدقة، أي باراشوت بالتأكيد سيضل هدفه .

فكيف نفسر اذن الاستخدام المفرط والكثيف للذخيرة .؟.  " الأنفاق " ، تمتم رجل من الجيش السوري فيما بعد. ففي حمص ودمشق ومدن سورية اخري أثبت مهربي الأنفاق ان بامكانهم نقل الرجال والاسلحة داخل وخارج الحصار

ثم جاءت صواريخ غراد كشلالات المطر من جنوب غرب حلب - من علي مسافة أميال من المدينة - وهي صواريخ بعيدة المدي يصل مداها الي مسافة 40 كيلو متر كما ذكر الجيش السوري، وهي ضمن الصواريخ الاولي التي أصابت احدي السيارات في حي الحمدانية وقتلت السائق وجرحت زوجته. وفي المطار الواقع جنوب غرب المدينة، والموجود في فقاعة من الاراضي التي تسيطر عليها الحكومة والمحاط تقريبا من جماعة جبهة النصرة المختبئين وسط حطام المباني التي مر عليها 4 أعوام، جعلوني اشاهد أثر صواريخ الغراد علي مدارج اقلاع الطائرات التي لا تبعد كثيرا عن القاعدة الجوية لطائرات الميج

لم يكن لدي اي احد هناك أي شك ان هذه الصواريخ جاءت لتوها من تركيا - وهذا احتمال كبير لانها لم تأتي بالطبع من البرازيل ولا اوروغواي - ومع حلول ظهيرة اليوم التالي وصل روميل النسخة السورية، الجنرال سهيل الحسن " النمر " الخبير في التكتيكات العسكرية والشرس في نفس الوقت، قادما من حما ليتولي قيادة المعركة. لا يتولي الحسن إلا قيادة أخطر المعارك في سوريا وأجبر علي ترك معركة بنفس العنف - وقد يقول البعض ان أهميتها الاستراتيجية أكبر - في محافظة حما في الجنوب حيث يواجه 7000 مسلح الجيش السوري ويحاولون كسر الطريق الصحراوي وطريق الامدادات الرئيسي المؤدي لحلب، وهو الطريق الوحيد لامدادات الجنود والمواد الغذائية ووصول المدنيين لغرب أكبر مدينة سورية. والجنرال الحسن هو من فتح هذا الطريق الجديد قبل ثلاث سنوات تقريبا، وليقوم بذلك دمر عشرات القري. ولم يكن ليسمح له ان يسقط مرة اخري الان

أما " الثوار " -  تلك الكلمة الغريبة التي تغطي عددا من الخطايا والذين تطلق عليهم الحكومة صفة " الارهابيين " بحماس يشبه حماس بلير - فكانوا يحاولون حصار قوات الحكومة في غرب حلب التي لا تزال تحاصر " الثوار " أو " الارهابيين " أو " المقاتلين " أو " الاسلاميين " ( أو سمهم ما شئت ) في شرق حلب .ويوم السبت ذعمت الحكومة السورية أنها نقلت عن محطات بث ومواقع تواصل اجتماعي تابعة " للثوار " قولها أن 500 مقاتل معارض للحكومة السورية قد قتلوا - وهو ما يبدو أقرب للواقع كقرب الجنرال الامريكي الذي تفاخر في نغس الوقت بالضبط تقريبا بمقتل حوالي 800 أو 900 من مقاتلي داعش في محيط مدينة الموصل

وفي حلب كانت هناك تقارير صحفية تتحدث عن 5000 جريح . وكانت هناك هجرة من الضواحي القريبة من المطار حيث كان المدنيين يبحثون عن مأوي لدي أقاربهم داخل غرب حلب. ثم ظهر المفوض العالي للأمم المتحدة لشئون اللاجئين وطاقم عماله من السوريين والتابعين لهم عند فندق الميريديان القديم ليبحثوا عن ملجأ يحميهم من الصواريخ التي تتساقط حول مجمعهم السكني ويمسكون أطفالهم في أيديهم ويجرون حقائب سفرهم خلال أجهزة الكشف المعدنية عند الباب، وهي هجرة مصغرة تذكرنا جميعا ان فصلا جديدا من فصول الحرب في حلب قد بدأ لتوه

الكاتب روبرت فيسك في صحيفة الاندبندنت البريطانية
30 اكتوبر 2016
ترجمة اشرف محمد   


http://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/the-bombardment-of-aleppo-marks-a-new-front-in-this-endless-conflict-a7387496.html

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق