الخميس، 9 يناير 2014

قواعد التفاوض: المعلم والجربا يتخاطبان عبر الإبراهيمي





لندن - إبراهيم حميدي
الخميس ٩ يناير ٢٠١٤
نيويورك، بيروت - «الحياة»، أ ف ب - حدد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون «قواعد التفاوض»، في رسالة الدعوة لممثلي الحكومة السورية والمعارضة إلى مؤتمر «جنيف 2» المقرر في 22 الشهر الجاري، إذ إن المحادثات بين وزير الخارجية وليد المعلم ورئيس «الائتلاف الوطني السوري» المعارض أحمد الجربا ستتم عبر المبعوث الدولي - العربي الأخضر الإبراهيمي وليس في شكل مباشر.
وتضمنت الدعوات التي وجهها بان في السادس من الشهر الجاري إلى ممثلي ثلاث منظمات دولية و30 دولة والمعلم ممثلاً لوفد الحكومة السورية والجربا «رئيس وفد المعارضة والائتلاف»، والتي حصلت «الحياة» على نسخة عنها مع ثلاثة ملاحق: نص بيان جنيف الأول الصادر في حزيران (يونيو) 2012، ومقاطع من قرارات صادرة عن مجلس الأمن تؤكد على دور المرآة في العمليات السياسية، وقواعد التفاوض الذي سيجري في 24 الشهر الجاري في جنيف، بعد افتتاح المؤتمر بمونترو في 22 منه.
وتضمنت قواعد المحادثات ثماني خطوات، بينها أن الهدف من المؤتمر تنفيذ بيان جنيف الأول و «تحديداً المبادئ والإرشادات من أجل عملية انتقالية بقيادة سورية، هو مُلزم سياسياً وقاعدة انعقاد المؤتمر الذي ستسعى الأطراف السورية من أجل تطبيقه (بيان جنيف) في شكل كامل»، بحيث تجري المحادثات بـ «وساطة» رئاسة الجلسات التي يقوم بها الإبراهيمي بحيث «تتوجه الأطراف في مخاطبة الطرف الآخر من خلال الرئاسة. (لكن) الأمر لا يُعتبر عائقاً أمام حوار مباشر بين الأطراف كجزء من عملية المفاوضات، إذا ما تم ذلك باتفاق بينهم».
وتؤكد نسختا رسالتي الدعوة إلى الأطراف الدولية ووفدي الحكومة السورية والمعارضة، على أن هدف المؤتمر «تنفيذ كامل» لبيان جنيف الأول على أن تكون العملية بـ «قيادة سورية» لتشكيل «هيئة حكم انتقالية» وفق مبدأ «القبول المتبادل»، بحيث تقوم هذه الهيئة على «السيطرة على أجهزة الأمن والجيش» مع الحفاظ على مؤسسات الدولة وعملها. لكن الدعوتين تختلفان في بعض التفاصيل، إذ يدعو بان الأطراف الدولية إلى «دعم» الفريقين السوريين»، مع احتمال أن «نطلب منكم مساعدة إضافية خلال المفاوضات بين الجانبين السوريين»، في وقت حضّ الأمين العام الطرفين السوريين على «مفاوضات بناءة» للوصول إلى «اتفاق شامل». وعلى عكس مطالب المعارضة التي تحدثت عن ثلاثة أشهر، فإن رسالتي الدعوة لم تتحدثا عن إطار زمني محدد، لكن بان شدد على ضرورة الوصول إلى اتفاق في «إطار زمني سريع».
وكان «الائتلاف» أرجأ إلى 17 كانون الثاني (يناير) الجاري قراره المتعلق بالمشاركة في المؤتمر لإجراء المزيد من المشاورات مع 41 عضواً في هيئته العامة قرروا الانسحاب والتشاور مع حلفاء المعارضة. وأفادت الهيئة الرئاسية أنها «لم تبحث بعد موضوع مؤتمر جنيف 2، ولم تقرر بعد مشاركتها من عدمها في المؤتمر». وأعربت الهيئة التي تضم الرئيس ونوابه الثلاثة والأمين العام، عن أملها في عودة «الزملاء عن قرارهم والعودة إلى صفوف الائتلاف... في هذا الظرف العصيب الذي تحتاج فيه المعارضة السورية والائتلاف إلى أقصى درجات الوحدة في مواجهة نظام القتل والتدمير والتهجير ومن أجل إقامة نظام ديموقراطي يحقق الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين بعد إسقاط نظام الأسد».
ومن المقرر أن يشارك الجربا في اجتماع وزاري لـ «مجموعة لندن» التي تضم 11 من دول «أصدقاء سورية» في باريس الأحد المقبل، قبل يوم من لقاء وزيري الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف لوضع اللمسات الأخيرة على المؤتمر الدولي. ويتوقع اللقاء الأخير في موضوع مشاركة إيران وطبيعة المشاركة، مع وضع اللمسات الأخيرة على «جنيف 2».
ميدانياً، استمر تقهقر تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) في شمال سورية، إذ خسر مقره الرئيسي في مدينة حلب أمام تقدم مقاتلي عدد من فصائل المعارضة، الأمر الذي قابله مقاتلو التنظيم بقتل عشرات السجناء، من نشطاء ومقاتلين، كانوا محتجزين في مستشفى العيون، المقر العام في حلب، في مقابل إطلاق 300 سجين آخرين.
وأفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن حلب أصبحت «شبه خالية» من تنظيم «داعش» بعد انسحابه مساء «من حي الإنذارات، عقب اشتباكات مع مقاتلي كتائب إسلامية مقاتلة والكتائب المقاتلة وتسليم مبنى البريد للمقاتلين»، مع استمرار المواجهات في الرقة في شمال شرقي البلاد، حيث سادت حظر تجول بسبب مخاوف الأهالي على حياتهم. وقال نشطاء إن «جبهة النصرة» سيطرت مساء على «مقر الأمن السياسي في الرقة الذي كانت تسيطر عليه «داعش» بعد معارك استمرت ثلاثة أيام». وأشار إلى «ارتفاع عدد القتلى إلى 385 منذ فجر يوم الجمعة وحتى منتصف يوم الثلثاء، خلال الاشتباكات بين مقاتلي الدولة الإسلامية من طرف، ومقاتلي كتائب إسلامية والكتائب المقاتلة من طرف آخر، في محافظات حلب وإدلب والرقة وحماة. وبينهم 56 مواطناً مدنياً أعدم 9 منهم على أيدي مقاتلي الدولة الإسلامية».
وتوعد «أبو محمد العدناني» الناطق باسم «الدولة الإسلامية»، في تسجيل صوتي، بـ «سحق» مقاتلي المعارضة. وقال إن أعضاء «الائتلاف الوطني السوري» المعارض باتوا «هدفاً مشروعاً» لمقاتلي تنظيمه.
من جهة أخرى، أفرج عن صحافي ومصور سويديين كانا خطفا في سورية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وفق ما أفاد السفير السويدي في سورية ولبنان نيكلاس كيبون وكالة « فرانس برس». وقال السفير: «تم الإفراج عن الصحافيين»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية.
وفي نيويورك، عطلت روسيا والصين مشروع بيان في مجلس الأمن يدين العنف ضد المدنيين في سورية «والهجمات الجوية اليومية التي تشنها الحكومة السورية ضد المدنيين في حلب التي أوقعت أكثر من ٧٠٠ قتيل وأكثر من ٣ آلاف جريح منذ منتصف كانون الأول (ديسمبر) الماضي».
وتجنب السفير الصيني في الأمم المتحدة لوي جيي، الرد على سؤال عن موقف بلاده من قصف المدنيين، معتبراً أن «مؤتمر جنيف 2 هو الفرصة الوحيدة للتوصل إلى حل سلمي» للأزمة السورية.
وطرحت بريطانيا مشروع البيان الذي «دان القصف العشوائي بالأسلحة الثقيلة، بما فيه استخدام صواريخ سكود وقذائف البراميل الذي تقوم به الحكومة السورية في منطقة كثيفة السكان في مناطق عدة في حلب».
واعتبر مشروع البيان أن «الدول تتحمل المسؤولية الأساسية عن حماية المدنيين»، وأن مجلس الأمن «يعبر عن القلق البالغ جراء هذه الأعمال التي تمثل انتهاكاً ممنهجاً وجسيماً لهذا الالتزام المنصوص عليه في القانون الدولي الإنساني للتمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين والامتناع عن استهداف المدنيين والأهداف المدنية».
وبحسب مشروع البيان، فإن مجلس الأمن «يجدد دعوة جميع الأطراف، وخصوصاً الحكومة السورية، إلى التطبيق الفوري لبيان مجلس الأمن الصادر في تشرين الأول (أكتوبر)»، الذي دعا إلى التوقف عن استهداف المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المنكوبين في سورية.
واستمع مجلس الأمن إلى منسقة بعثة تدمير الأسلحة في سورية سيغرد القاق، التي قالت بعد الجلسة إن «التقيد بالإطار الزمني المحدد في منتصف حزيران (يونيو) المقبل يسير قدماً». وجددت القول إن الحكومة السورية تتعاون بشكل بنّاء في نقل المواد الكيماوية»، وأن البعثة تمكنت من نقل الدفعة الأولى من المواد التي تعد أولوية إلى خارج سورية».

http://alhayat.com/Details/590854

الثلاثاء، 7 يناير 2014

قيادي في «التنسيق» لـ«السفير»: ضغوط دولية علينا لمحاورة النظام

قيادي في «التنسيق» لـ«السفير»: ضغوط دولية علينا لمحاورة النظام

زياد حيدر
أعلن المتحدث باسم «هيئة التنسيق الوطنية» في سوريا منذر خدام أن الهيئة تعرّضت لضغوط ديبلوماسية للخضوع إلى مطلب فتح «قناة حوار» مع النظام السوري، وهو قرار ترفض الهيئة اتخاذه إلا في إطار «جنيف 2»، رغم مخاوفها من أن يصبح المؤتمر مجرد منصة لتحالف دولي ضد الإرهاب يقوده النظام الحالي.
وقال خدام، لـ«السفير»، إن جهات عدة، من بينها روسيا والهند، طلبت من الهيئة بشكل رسمي فتح قناة حوار مع الحكومة السورية قبل التوجّه نحو جنيف، وذلك في إطار التحضير للمؤتمر الدولي، الذي لا تزال حظوظ انعقاده متأرجحة.
وقامت النصيحة على «أسس تقنية» بغرض «استكشاف ما هي المسائل التي يمكن حلها بسهولة وتلك التي يمكن تأجيلها» على أن يتم ذلك بسرية، وخارج البلاد، علماً أن بعض تلك الدعوات يعود الى أيار العام الماضي.
وكان خدام تساءل على صفحته على «فايسبوك» إن كانت الهيئة أخطأت «برفضها أي تفاوض مع النظام خارج إطار مؤتمر جنيف 2؟»، مشيراً إلى أنها «ترفض التفاوض إلا من أجل ضمان مستقبل ديموقراطي حقيقي لسوريا»، ومكرراً السؤال إن كان «لاعتقال بعض قادة الهيئة وكوادرها علاقة بذلك؟» وذلك في إشارة إلى رموز عدة للهيئة اختفوا في أوقات سابقة، بينهم رئيس لجنة العلاقات الخارجية عبد العزيز الخير وأمين سر الهيئة رجاء الناصر.
ورفض خدام، في اتصال مع «السفير»، «أيّ تفاوض مع النظام خارج إطار جنيف 2»، معتبراً أنه «باهظ التكاليف، وغير ذي جدوى، كما أن أحداً لا يستطيع أن يقدم ضمانات لتنفيذ ما يمكن الاتفاق عليه».
وزار نائب وزير خارجية الهند آشوك كينتا دمشق منذ أسبوعين، والتقى بممثلين عن الهيئة. ووفقاً لخدام كرر كينتا طلباً سبق أن سمعه أعضاء الهيئة من مسؤولين روس ايضاً بفتح «قناة حوار مع النظام»، وهو أمر تجده الهيئة قراراً صعباً في ظل الضغوط التي تشعر بها من قبل الهيئات المعارضة الأخرى، وفي ظل وجود رموز كبيرة من ممثليها معتقلين، وإن كانت الحكومة السورية تنفي اعتقالهم.
ورغم أن الهيئة تأسست في حزيران العام 2011، قبل أي تنظيم سياسي معارض نتج عن الأزمة السورية، إلا أنها كانت الأكثر تعرضاً للضغوط باعتبارها الوحيدة كتنظيم سياسي معارض داخل البلاد.
ونظرت الحكومة السورية للهيئة دوماً باعتبارها «معارضة وطنية» إلا أنها لم تمنحها علناً هذا اللقب، كما لم تخاطبها كـ«تنظيم» إلا في مناسبة نادرة قبل اللقاء التشاوري الذي جرى في تموز العام 2011. وهو لقاء يشير إليه خدام حين يتحدث عن إمكانية «الوصول إلى نتائج عبر التفاوض مع الحكومة»، مذكراً بأن كل «مقررات اللقاء التشاوري (والذي قاطعه ممثلون عن الهيئة أيضاً) لم تنفذ».
وظلت الهيئة على موقفها من «رفض الحوار» إلا في إطار مؤتمر عام برعاية دولية حتى الآن، ولكن من دون أن تخفي مخاوفها من أن يكون التحضير لمؤتمر جنيف يستهدف استراتيجية مختلفة عن تلك التي قام عليها كل «الحراك» السوري منذ ثلاثة أعوام.
ويشير خدام إلى زيارة قام بها القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق علاء عبد العزيز إلى مقر الهيئة، نصح خلالها مضيفيه بـ«إجراء تقييم للموقف، على اعتبار أن مؤتمر جنيف 2 سيركز على مكافحة الإرهاب، وهي معركة ستستمر لسنوات وسترعاها واشنطن وموسكو».
ويرى خدام أن هذا المسار هو المرجّح، مبدياً خيبته من المسار الذي أخذته هذه الأزمة، وصولاً إلى احتمال «انعقاد المؤتمر في سويسرا من دون وفد حقيقي للمعارضة». وهي مشكلة عميقة أخرى عانتها «هيئة التنسيق» من انسحاب قوى مثل جماعة «الإخوان المسلمين» و«إعلان دمشق» وبعض الأكراد من مفاوضات تشكيل هيئة التنسيق، في العام 2011 إلى تشكيل «المجلس الوطني» تحت ضغوط تركية، وصولاً إلى احتمال انهيار فرصة «تشكيل وفد معارض موحد»، كما تمّ الاتفاق عليه خلال اجتماع بين رئيس «هيئة التنسيق» حسن عبد العظيم ورئيس «الائتلاف الوطني» أحمد الجربا في القاهرة في كانون الأول الماضي. وكان الاتفاق أن تلتقي 40 شخصية في القاهرة في 10 كانون الثاني الحالي لإقرار أسماء الوفد واستراتيجيته، ولكن يبدو احتمال هذا صعباً الآن.


تسوية عسكرية في برزة: استسلام 200 مسلح

تسوية عسكرية في برزة: استسلام 200 مسلح

دمشق ــ «السفير»

نجح الجيش السوري، أمس، في فرض تسوية جديدة في منطقة برزة، التي تعتبر من أسوأ مناطق الاشتباك في مدينة دمشق، وذلك بتسليم عشرات المسلحين لأنفسهم وأسلحتهم.
ونقلت وكالة الأنباء السورية («سانا») عن مصدر عسكري سوري قوله إن «وحدات من الجــيش السوري دخلت برزة، وتسلمت الأسلحة الثقيلة، كما بدأت تفكيك العبوات هناك».
وأضاف «استسلم 200 مسلح مما يُسمّى الجيش الحر وجبهة النصرة وسلّموا أسلحتهم للجيش السوري في حي برزة بدمشق».
وكانت أخبار التسوية في برزة بدأت تتسرب منذ أسبوعين، إلا أن الاختراق الفعلي حصل ليل أمس الأول باتفاق بين الجيش وقادة بعض الكتائب المسلحة على تسليم أنفسهم وأسلحتهم مقابل تسوية أوضاعهم، وفك الحصار عن الحي.
وشهد الحي منذ الأشهر الأولى للعام 2011 تظاهرات تحوّلت بعدها إلى حراك مسلح، وصل امتداده إلى الغوطة الشرقية وأحياء تشرين والقابون. ويعتبر الاتفاق تطوراً نوعياً رغم الدمار وأعداد القتلى الكبيرة التي سقطت في معارك الحي.
وذكرت قناة «الخبر» أن قادة المسلحين سلموا الجيش خرائط الأنفاق المحفورة ومواقع الألغام المزروعة، مضيفاً «هرب عشرات المسلحين من تنظيم جبهة النصرة ممن رفضوا الاتفاق باتجاه بساتين الغوطة».
وذكرت الوكالة «أوقعت وحدات من الجيش أعداداً من الإرهابيين قتلى ومصابين ودمرت أسلحتهم وذخيرتهم في سلسلة عمليات ضد أوكارهم في عدرا البلد وجوبر والقابون والمليحة ويلدا وبيت سحم وجرود قارة والزبداني وداريا».
http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2665&ChannelId=64563&ArticleId=382&Author=#.UsviOtJdX3M

«القاعدة».. النشأة العسكرية والتطور العقائدي وتمدد الأذرع (3)

«القاعدة».. النشأة العسكرية والتطور العقائدي وتمدد الأذرع (3)
امتداد شبكة التنظيم.. وسوريا أرض «الجهاد» الأكبر

عناصر من «داعش» خلال استعراض عسكري في تل ابيض على الحدود السورية ـــ التركية الخميس الماضي (رويترز)
علي شقير
تشهد المرحلة الحالية بالنسبة لتنظيم «القاعدة» مزيداً من التركيز على بلدان المشرق العربي وعلى سوريا على وجه التحديد.
وقد أظهرت الحركة الجهادية بأنها قد تعلمت أيضاً من إخفاقاتها في العراق. ففي مناطق الحرب مثل سوريا، حاولت حشد الدعم لها من خلال توفيرها الخدمات الاجتماعية. كما حاولت أيضاً تجنب تنفير السكان عن طريق استعمال العنف المفرط، والتركيز بدلاً من ذلك على اختيار أهدافها ضد القوات العسكرية والأمنية وضد المسلمين من غير السنة أيضاً.
وعودة إلى ما سبق طوال العقد الممتد من العام 2001 وحتى العام 2011، فإنّ الغربيين أو المهاجرين إليه، إما التحقوا بصفوف تنظيم «القاعدة» أو قاموا بعمليات منفردة ولكن تحت اسم التنظيم.
وفي كل من مدريد في العام 2004 ولندن في العام 2005، قام مجندو التنظيم بعدة هجمات على وسائل النقل في البلدين، ما أسفر عن مقتل المئات. أما في الولايات المتحدة، فكان «المجاهدون» أو الطامحون للقيام بمثل هذه العمليات، مسيطراً عليهم بقوة القانون.
ولكن، بالرغم من ذلك كانت هناك بعض المحاولات التي تم إفشالها، لعدم وجود تنسيق بين قيادات التنظيم نفسه.
وإحدى هذه المؤامرات الجدية، كانت محاولة نجيب الله زازي مهاجمة نظام مترو الأنفاق في مدينة نيويورك، والتي أظهرت قدرة «القاعدة» على تدريب الأفراد لتنفيذ هجمات في بلدانهم الأم. لذا، فالعقد الذي تلا هجمات الحادي عشر من أيلول في العام 2001، أظهر نقاط الضعف لدى التنظيم في إلهام نهجه، لتحقيق أهدافه.
لذا، وبعد ضربه بقوة في تورا بورا في أفغانستان، عانى تنظيم «القاعدة» لتمكين شبكته العالمية من الشركات التابعة والأنصار الداعمين. وبدلاً من تخطيط وتنفيذ الهجمات، تحولت القيادة المركزية إلى أسلوب الإلهام والوحي، لأن تكون الدليل، والموفر للموارد اللازمة للشبكة العالمية، لتنتشر عبر شركات عدة تابعة لها.
وبعد أقل من عشر سنوات على هجمات 11 أيلول، سعى التنظيم إلى تحول جديد في العمل، تحول لمرة واحدة على وشك الاكتمال.

ما بعد بن لادن و«الربيع العربي»

في الأول من شهر أيار في العام 2011، أعلنت الولايات المتحدة أنها قتلت أسامة بن لادن في باكستان، منهية، بحسب قولها، مطاردة دامت عشر سنوات تقريباً.
من خلال هذه النقطة المفصلية، واجه مقر تنظيم «القاعدة» المركزي في باكستان، تحديات للسيطرة على مجموعاته وشركاته التابعة وعناصره. هجمات الطائرات من دون طيار، وسنوات من الضغط بعنوان «مكافحة الإرهاب»، حدت من استقطاب التنظيم.
وبعد وقت قصير من إعلان مقتل بن لادن، قتل أيضاً أنور العولقي، في غارة لطائرة من دون طيار في اليمن.
إلا أن اندلاع «ثورات» في العالم العربي، طغت بشكل كبير على مقتل قيادات «القاعدة». هذا التنظيم الذي تعهد في بداياته إسقاط الديكتاتوريات أي «العدو القريب» عن طريق مهاجمة الولايات المتحدة «العدو البعيد»، صدم ربما بعد إسقاط الأنظمة بشكل سلمي في تونس ومصر.
في البداية، شكلت هذه «الثورات» أو «الانتفاضات» تحدياً مباشراً لرسالة التنظيم المبنية على «الإرهاب» والعنف.
ولكن عدم وجود بدائل للأنظمة وسوء إدارة الحكم ما بعد «الربيع»، وتدخل الولايات المتحدة وحلف «الناتو» في بعض الأماكن، وامتداد أياد خارجية ساعية إلى لعب دور في هذه الحقبة الجديدة، كل هذا وفر فرصة كبيرة لتنظيم «القاعدة»، لإعادة رسم مسار تصاعدي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط على وجه الخصوص.
وأدى ذلك إلى نشوء تفرعات من التنظيم في عدة بلدان، جعلت الشعوب اليوم تعاني من العنف المباشر لهذه التنظيمات المنضوية تحت لواء «القاعدة»، وأبرزها هي الجماعات المنخرطة في الأزمة الدائرة حالياً في سوريا.

«أنصار الشريعة» و«القاعدة في جزيرة العرب»

«القاعدة في جزيرة العرب» في اليمن، الذي أصبح بالفعل التابع الأعلى للتنظيم قبل مقتل بن لادن، سرعان ما أصبح من الأوائل في محاولة إنشاء خلافة خاصة في اليمن. ومن شتاء العام 2011 إلى ربيع العام 2012، بنى «القاعدة في جزيرة العرب» ميليشيا شقيقة، سميت «أنصار الشريعة»، سعياً إلى التركيز بشكل أفضل على كسب الدعم المحلي.
استولى «أنصار الشريعة» على أجزاء كبيرة من اليمن، وبدأ بالحكم فيها باعتبارها مقر الخلافة، وإقامة «الشريعة الإسلامية».

«حركة الشباب» في الصومال

من رماد «اتحاد المحاكم الإسلامية» ظهرت «حركة الشباب». فبعد غزو إثيوبيا في العام 2007، سيطرت «الشباب» على المقاومة، ومع مرور الوقت، تمكنت من السيطرة على وسط وجنوبي الصومال.
ومع توفير مساحة العمل، وضعت «حركة الشباب» أسس الدولة الإسلامية، بتنفيذ وتطبيق نسخة قاسية من الشريعة الإسلامية. وفي شباط العام 2012، اندمجت «الشباب» رسمياً مع تنظيم «القاعدة» الذي يقوده أيمن الظواهري.
هذا الاندماج، وبدلاً من إظهار قوة هذه الحركة، كان سقطة للحركة، ما أدى في ما بعد إلى طردها من قبل الجيش من معظم المدن الكبرى.
ومع ذلك، أثبتت هجمات أيلول في العام 2013، على مركز «ويست غايت»، في كينيا، أن «حركة الشباب»، وبالرغم من نكستها، لا تزال تشكل تهديداً كبيراً.

تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»

تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، جنباً إلى جنب مع العديد من الشركات المحلية التابعة له، سيطر على شمال مالي في ربيع العام 2012. وبتوقيت ناجح مع متمردي الطوارق والانقلاب على الحكومة المالية، سيطر التنظيم على مدينة تمبكتو واتجه إلى الجنوب مهدداً عاصمة البلاد.
ومثل «حركة الشباب»، طبق «القاعدة في المغرب الإسلامي» شكلاً قاسياً من الشريعة في المناطق التي سيطر عليها، ولمدة معينة، شكل هذا التنظيم الخلافة الجغرافية الأكبر بالنسبة لفرع من فروع «القاعدة» في تاريخ التنظيم.
وعلى غرار اليمن، كانت مكاسب التنظيم قصيرة الأجل، من خلال كبح جماحه فرنسياً في شمال مالي في كانون الثاني في العام 2013.
ولفت الهجوم الأخير على منشأة «إن أميناس» للغاز في الجزائر الانتباه مجدداً إلى تنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي» والجماعات الجهادية الأخرى في شمال مالي. وقد أشار مسؤولون في الاستخبارات الأميركية إلى احتمال كون التنظيم بصدد التخطيط لشن هجمات على أهداف غربية، ولكن أولئك المسؤولين ما زالوا يتابعون الجهد المضني ليتمكنوا من فهم الطبيعة المعقدة للجماعات الجهادية في هذه المنطقة.
وقد فسر الكثيرون التقارير التي تشير إلى وجود انقسامات داخل التنظيم على أنها مؤشرات على الصعوبات التي يواجهها.

«أنصار الشريعة» في ليبيا

في أعقاب سقوط حكم الزعيم الراحل معمر القذافي، لم يؤد الفراغ الأمني في ليبيا إلى صعود التنظيم في منطقة الساحل فقط، ولكن أيضاً إلى إطلاق سراح العناصر المتطرفة التي قمعت سابقاً في البلاد.
«أنصار الشريعة»، وهي جماعة شعبية متطرفة تعمل باسم «القاعدة في جزيرة العرب» في اليمن، ظهرت في معاقل سابقة في شرق ليبيا، الموطن السابق لـ«الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة»، والمعروفة بتوريد العديد من المقاتلين الأجانب إلى العراق.
ظهرت هذه المجموعة بشكل كبير على الساحة الدولية بعد ارتباط اسمها بالهجوم على السفارة الأميركية في مدينة بنغازي الليبية في العام 2012، ما أسفر عن مقتل السفير الأميركي كريس ستيفنز.

تنظيم «القاعدة في شبه جزيرة سيناء»

انهيار نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك، في خضم «الربيع العربي»، جلب جماعة «الإخوان المسلمين» إلى السلطة، وخلق فرصة لطالما سعى أيمن الظواهري إليها للعودة إلى مصر مجدداً.
وبدءاً من العام 2012، تعطلت خلايا «القاعدة» في القاهرة، واستمر ناشطو التنظيم بالركود في شبه جزيرة سيناء. إلا أن إطاحة الرئيس المعزول محمد مرسي في الثالث من تموز العام 2013 من قبل الجيش المصري، أدى إلى اندلاع عمليات العنف والاعتداء على الجيش من قبل الجماعات المتطرفة في سيناء، وهو ما يمهد لعملية استئصالهم مجدداً.

«جبهة النصرة» و«داعش» في سوريا

لا يوجد معركة تشكل فرصة لتنظيم «القاعدة» أكبر من تلك الدائرة في سوريا. عانى السوريون خلال أكثر من عامين من دخول مجموعات متطرفة مرتبطة بالتنظيم لتظهر كقوة مهيمنة في القتال ضد النظام السوري.
وحتى اليوم، أنتج «الجهاد» في سوريا أكبر هجرة للمقاتلين الأجانب في التاريخ، متفوقاً على الإمدادات من كل من أفغانستان في الثمانينات، والعراق وأفغانستان سوياً ما بعد العام 2000.
«جبهة النصرة» كانت الحركة الجهادية الأولى في سوريا، ولكن الزحف «القاعدي» في العراق الذي تحدى كلاً من «النصرة» وزعيم «القاعدة» أيمن الظواهري، أدى إلى ظهور «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، في محاولة لإحكام السيطرة على الجهاد في سوريا.
وشرعت «داعش» في الحملة الأكثر شمولاً التي يقوم بها تنظيم «القاعدة» لكسب القلوب والعقول من خلال توفير الخدمات الاجتماعية إلى المجتمع الذي دمرته الحرب الدائرة.
وبالرغم من أن «نجم» الجماعة كان آخذاً في الصعود، إلا أن انتهاكاتها، مقرونة بإستراتيجية دولية للحد من نفوذها، ستطيح بخطتها لتحويل شمالي سوريا إلى إمارة إسلامية تحت قيادتها.
وهو ما جعلها تهدد بالأمس بأن تتخلى عن القتال ضد النظام السوري، لانشغالها في معارك بينها وبين المسلحين أنفسهم الذين دعموها في البدايات، على رقعة كبيرة من سوريا، سعياً إلى طردها.
ويُعتقد أن «داعش» تضم في صفوفها ما بين خمسة إلى ستة آلاف مقاتل. ويعني ذلك أنها أصغر بكثير من جماعات مسلحة أخرى، مثل «الجبهة الإسلامية السورية» المشكلة مؤخراً، والتي تفخر بأنها تضم بين 15 و20 ألف مقاتل، إلا أن ما يتمتع به تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» ميزة واحدة مهمة وهي: أن الكثير من أعضائه كانوا حاربوا سابقاً في عمليات جهادية أخرى، بما في ذلك في العراق وأفغانستان واليمن وليبيا.

علي شقير


«القاعدة».. النشأة العسكرية والتطور العقائدي وتمدد الأذرع (2)

«القاعدة».. النشأة العسكرية والتطور العقائدي وتمدد الأذرع (2)
الغزو الأميركي للعراق.. يوسّع نفوذ التنظيم

مقاتلان أفغانيان من «طالبان» يطلقان النار على الطائرات الأميركية من دون طيار في تورا بورا في كانون الأول العام 2001 (أ ب)
علي شقير
النسخة الأولى من تنظيم «القاعدة» كانت استمراراً لاستقبال وتدريب نماذج صاغها أصلاً عبدالله عزام وأسامة بن لادن، للمتطوعين العرب للانضمام إلى «المجاهدين» الأفغان خلال العام 1980.
استخدم بن لادن ملاذات آمنة للعمل في السودان وأفغانستان، لتدريب المقاتلين الأجانب وتلقينهم ودمجهم في الصراعات الإسلامية في جميع أنحاء العالم، في وقت كان ينمي فيه أيضاً المؤامرات على نحو متزايد ضد الولايات المتحدة.
بن لادن ونائبه الأول أيمن الظواهري، صمما ووضعا المبادئ الأيديولوجية لـ«القاعدة» من ناحية استخدام العنف بطريقة مركزية، كآلية العمل المحددة مع تسلسل قيادي مدعم، فضلاً عن آليات التمويل.
كان الهدف من هجمات أيلول استفزاز الولايات المتحدة من أجل إعلان الحرب على العالم الإسلامي، وبالتالي تحريض المسلمين. وكان تنظيم «القاعدة» يأمل أيضاً أن تساعد الهجمات على بث رسالته إلى الجمهور العالمي. إلا أن هذه العوامل، التي جعلت التنظيم يعمل بحرية تامة، سرعان ما تلاشت بعد هجمات الحادي عشر من أيلول.

2001 ـــ 2002
من تورا بورا إلى باكستان

من وجهة نظر تنظيم «القاعدة»، كانت هجمات الحادي عشر من أيلول بمثابة نجاح فاق أقصى طموحاته. وخلال عملية تحضير الجماعات الإرهابية لهجمات 11 أيلول، لم تظهر الولايات المتحدة سوى استجابات محدودة للهجمات على سفاراتها، وحتى على السفن البحرية الأميركية.
أيقظت الهجمات على برجي التجارة العالميين الولايات المتحدة، والرأي العام الدولي بشكل غير مسبوق. وبحلول تشرين الأول في العام 2001، بدأت الضربات الجوية الأميركية، وعملية نشر قواتها الخاصة في أفغانستان. كان بن لادن وأعضاء تنظيم «القاعدة» حينها في شراكة مع «طالبان». كان «القاعدة» في أفغانستان، يواجه احتمال الفناء.
في ذلك الوقت، أصبحت تورا بورا مخبأً للتنظيم، بينما طوّقت القوات الأميركية أفغانستان، ودمرت جيوب حركة «طالبان». ومع حلول شباط في العام 2002، كان بن لادن وكوادر التنظيم الأساسية، مطوقة في تورا بورا من قبل القوات الأميركية المتكاملة مع الميليشيات المحلية. ومع ذلك، فإن العلاقات الطويلة لبن لادن في أفغانستان، أنقذته وقواته.
في ليلة ليلاء، تراجع بن لادن وبعض رفاقه من تورا بورا إلى باكستان، وحال وصوله إلى هناك، لم يعد بإمكان القوات الأميركية ملاحقته عسكرياً.
وفي هذه الفترة، أُلقي القبض على بعض عناصر «القاعدة» الرئيسيين في باكستان، بما في ذلك خالد شيخ محمد، وأبو زبيدة. ولكن بن لادن والظواهري، والعديد من الأعضاء الرئيسيين الآخرين، تكاملوا في ما بينهم لبدء قيادة «القاعدة» عالمياً، من مسافة بعيدة. وبدلاً من استضافة معسكرات التدريب في ملاذات آمنة ومحمية، بدأ بن لادن ونوابه بإعطاء الأوامر لجواسيسهم في بلدان عدة.
وأظهرت الهجمات في كينيا، والمغرب، وتركيا، وتونس، وفي وقت لاحق تفجير نظام مترو لندن في العام 2005، برهنت أن «القاعدة» وهو في باكستان قادر على السيطرة.
وأصبح بن لادن، أو ما يشار إليه باسم «تنظيم القاعدة المركزي»، هو المقر العالمي لتوفير التوجيه الأيديولوجي، والدعاية، ودليل الهجمات، وتوزيع الموارد. وخلال وجوه في باكستان، حدثان مهمان أثرا كثيراً على تنظيم «القاعدة»: ظهور الإنترنت، والغزو الأميركي للعراق.

2003 ـــ 2011
من العراق إلى اليمن

في هذه الفترة، كان يأمل «القاعدة» أن يحوّل نفسه من منظمة إلى حركة أوسع نطاقاً، فضلاً عن نشر قاعدته إلى بلدان عربية أخرى. ووفقاً لهذه الخطة يكون العراق مركز «الجهاد» لإعداد الكوادر للميادين المستقبلية.
فوجئ بن لادن وقيادة «القاعدة» تماماً، إذ انه بعد عام واحد فقط من مطاردتهم في تورا بورا، غزت الولايات المتحدة العراق.
غزو العراق حول تركيز الولايات المتحدة من متابعة منفذي هجوم الحادي عشر من أيلول، إلى إزالة نظام صدام حسين، الذي لم يكن له أي دور في هذه الهجمات. سقط نظام صدام في العراق بسرعة، ولكن هذا النجاح السريع، خلق فراغاً أمنياً، سهّل عمل التنظيم في البلاد.
وفي العام 2003، تأسست في العراق مجموعة «جهادية» اسمها «جماعة التوحيد والجهاد»، أعلنت ولاءها رسمياً لبن لادن في العام 2004، ليصبح «تنظيم القاعدة في العراق»، بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، الذي قام بسلسلة من الهجمات ضد أهداف أميركية وضد الشيعة.
قام الزرقاوي بتنشيط وإعادة تنظيم «القاعدة» الذي تراجع في وقت سابق، ليبدأ جولة ثانية من استقطاب المقاتلين الأجانب للسفر والقتال في العراق. وبعد اندلاع حركة تمرد ضد القوات الأميركية في العراق، نما التنظيم بشكل أكبر وأقوى، وأكثر عنفاً.
وفي العام 2006، تم اعتراض رسالة من أيمن الظواهري في باكستان، كانت موجهة إلى الزرقاوي في العراق. كانت الرسالة توعز الزرقاوي إلى السيطرة على العنف ضد الشيعة والمدنيين، إذ انها كانت تخلق ردود أفعال عنيفة ضد التنظيم.
وفي الوقت نفسه، أصبحت شبكة الإنترنت فرصة كبيرة لـ«القاعدة». وفي ظل عدم قدرة القادة على الاتصال المباشر مع الأنصار عبر وسائل الإعلام التقليدية، بدأت المواقع الإلكترونية للتنظيم تظهر لتوفير التوجيه الأيديولوجي، والمراجع، ودليل التدريب، وتوجيه الأهداف، بالإضافة إلى لقطات فيديو تظهر هجمات «القاعدة» في أفغانستان والعراق.
في الوقت الذي كان فيه التنظيم في حاجة إلى الحفاظ على أمن عملياته، استفاد «القاعدة» من الإنترنت، الذي سمح له بالاستمرار في التواصل مع الرجال الذين وجدوا ضالتهم عبر الجهاد في العراق.
في العام 2006، قتلت القوات الأميركية أبو مصعب الزرقاوي، وأصبح «القاعدة» في العراق أكثر عنفاً وطائفية من أي وقت مضى، ما أدى إلى النفور منهم بالكامل.
ولكن خطوط الإمداد بالمقاتلين الأجانب إلى العراق تواصلت قوية خلال العام 2007، إلا أنه نتج من ذلك عنف مفرط، بالإضافة إلى انتهاكات القوات الخاصة الأميركية، ما أدى إلى تراجع دعم القبائل السنية العراقية، التي سئمت القتل العشوائي. وبعد تضاؤل السيطرة العملياتية للتنظيم المركزي، بدأ «القاعدة في جزيرة العرب» بالعمل على ملء الفراغ.
عودة إلى العام 2005، كانت خلايا التنظيم في السعودية قد بدأت بالتحضير لشن هجمات ضد أهداف حكومية، وخصوصاً ضد المنشآت النفطية السعودية.
الصراع في العراق المجاور أوحى لأعداد كبيرة من السعوديين بالسفر إلى الشمال لمحاربة الأميركيين، قبل عودتهم إلى بلادهم. الأعضاء السعوديون المخضرمون من التنظيم، والعائدون مؤخراً من العراق، بدأوا بالتجمع في داخل المملكة لبدء التمرد.
قامت الحكومة السعودية بحملة صارمة ضد خلايا «القاعدة»، ما أسفر عن مقتل واعتقال العديد من الأعضاء الرئيسيين، وفرار الناجين خارج البلاد، لجأ الكثير منهم إلى اليمن.
مع بداية العام 2003، تم تدمير معظم عناصر التنظيم في اليمن، أو سجنهم. وقام اليمنيون أيضاً، بالقبض على آخرين أثناء الاشتباك مع المقاتلين العائدين إلى البلاد. ومع ذلك، فإن عمليات التطهير السعودية من مقاتلي «القاعدة»، جنباً إلى جنب مع عمليات الهروب من السجن في اليمن، نفخ حياة جديدة في التنظيم في اليمن.
وفي العام 2009، تعاضد أعضاء التنظيم السابق في السعودية مع قدامى المقاتلين في اليمن، لتشكيل ما سُمي «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب».
وبالإضافة إلى ذلك، دفعت زيادة ضربات الطائرات من دون طيار في باكستان، وتراجع الاهتمام في العراق، قدامى المقاتلين والمجندين الجدد، إلى اليمن، حيث عزز ناصر الوحيشي، أحد المعاونين الشخصيين لبن لادن، وسعيد علي الشهري، وهو معتقل سابق في غوانتانامو، الموارد الإقليمية للتنظيم، الذي بدأ سلسلة من الهجمات.
«القاعدة في جزيرة العرب» استقطب أيضاً، رجل الدين اليمني الأميركي أنور العولقي، الذي سرّع النداء العالمي للمجموعة من خلال الوعظ على شبكة الإنترنت.
اتخذ «القاعدة في جزيرة العرب» زمام المبادرة في قيادة الهجمات الخارجية ضد الغرب، بتدبير محاولات هجوم متطورة، في محاولة لإسقاط طائرة ركاب فوق الولايات المتحدة في يوم عيد الميلاد في العام 2009، وتركيب قنابل في خراطيش الطابعات الآلية، التي يتم شحنها بالطائرات.
العلامة الفارقة في ظهور «القاعدة في جزيرة العرب»، كانت من خلال زيادة الغارات الأميركية بالطائرات من دون طيار في اليمن، ما يشير إلى تحول في تصور التهديد الذي يشكله التنظيم على أراضي الولايات المتحدة.

معركة أفغانستان الدائمة

فيما كان العراق المرحلة المركزية، فإن الحرب مع تنظيم «القاعدة» في أفغانستان وباكستان كانت مستمرة. ولو بشكل هزيل، لم يتوقف تدفق المقاتلين الأجانب إلى باكستان لمحاربة الولايات المتحدة في شرق أفغانستان.
وفي الوقت نفسه، أصبح التنظيم متأصلاً في الصراع الباكستاني، ما ساعد على دعم معركة «طالبان الباكستانية» مع الحكومة المركزية. ساعد اتحاد «طالبان باكستان» وتنظيم «القاعدة» في ترسيخ التنظيم كمقر عالمي للإرهاب، حتى بدأ استهدافه بالطائرات الأميركية من دون طيار.
ومع ازدياد الغارات في العام 2008، بدأت هذه الهجمات على معاقل حركة «طالبان باكستان» بإلحاق خسائر كبيرة في صفوف التنظيم. وللمرة الأولى، بدأت الخسائر في القيادة، بإبطاء التنسيق العالمي لـ«القاعدة».



"القاعدة".. النشأة العسكرية والتطور العقائدي وتمدد الأذرع (1)

"القاعدة".. النشأة العسكرية والتطور العقائدي وتمدد الأذرع (1)
من "الجهاد الأفغاني".. إلى "الجهاد العالمي"

أسامة بن لادن في صورة من العام 1988 (عن "الإنترنت")
علي شقير
منذ بدء الاحتجاجات قبل ثلاثة أعوام، واندلاع ما اصطلح على تسميته بـ"الربيع العربي" أو "الصحوة الإسلامية"، توسعت "الحركة الجهادية العالمية" وبرزت في مجموعة من الأماكن الجديدة في جميع أنحاء العالم العربي، كان آخرها في سوريا وليبيا وسيناء وتونس واليمن، وفي دول غير عربية أيضاً، كنيجيريا ومالي وغيرها.
وبينما فاجأت هذه الاضطرابات الكثيرين في المنطقة، إلا ان تنظيم "القاعدة" كان توقع حدوث مثل هذه النتائج حين صاغ خطته الإستراتيجيا في العام 2000. وقد تطور ذلك المخطط حتى الآن وفقاً لاستراتيجيا محددة، وإن كان ذلك بسبب وجود قوى وعوامل خارجية وهيكلية اثرت أكثر من جهود "الجهاديين" أنفسهم. ونتيجة لذلك، كانت هذه الحركة في وضع جيد يؤهلها للاستفادة من التطورات الجديدة.
تنظيم "القاعدة" اليوم، يشبه قليلاً فقط تنظيم "القاعدة" أمس. ناشطو التنظيم، أو التنظيمات التي تشبهه إلى حد ما، يمتدون في جميع أنحاء شمال أفريقيا، ومنطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
هذه السلسلة المتباينة من التنظيمات تتضمن بعضاً من التنظيم الأصلي في أفغانستان وباكستان، أو ما يسمى "قدامى المحاربين"، إلا ان معظمها يعتمد على القادمين الجدد من الذين أثّر فيهم "وحي الرسالة القاعدية"، من الشباب "المحروم" الذي يسعى لخوض مغامرة القتال في أعقاب "الربيع العربي".
تنظيم "القاعدة"، أو بالأحرى "الجهاد" تحت راية هذا التنظيم، تحول في عدة مراحل من تطوره على مدى أكثر من عقدين من الزمن.
فلأكثر من 20 عاماً، سخر "القاعدة" الطاقة الجماعية من مختلف الصراعات في الشرق الأوسط وفي جنوب آسيا وأفريقيا، لإدامة النزاع المستمر ضد الغرب. جذب كل صراع في أي بلد مسلم مجموعته الخاصة من المقاتلين الأجانب، من حاملي "الفكر القاعدي"، والذين يعملون تحت مظلته. إلا ان لكل صراع شكلاً وحجماً وقدرة.

النشأة وخريطة الطريق - 1988
لمدة عشر سنوات، تمتد بين العامين 1979 و1989، أصبحت باكستان وأفغانستان وجهة لهجرة عالمية غير مسبوقة للشباب المسلم استجابة لفتاوى "الجهاد" ضد الاتحاد السوفياتي، رداً على غزو أفغانستان حينها.
فمن الولايات المتحدة وحتى جنوب شرقي آسيا، حيث الغالبية من منطقة الشرق الأوسط، بدأت الهجرة إلى باكستان للانضمام والقتال إلى جانب المقاومة الأفغانية.
حينها، لعب الإسلامي الفلسطيني عبد الله عزام، دوراً أساسياً في إثارة هذه الهجرة العالمية وتنظيمها. فالعظات والدعوات التي أطلقها عزام، للجهاد دفاعاً عن المسلمين الأفغان المضطهدين، وصلت إلى الجماهير في جميع أنحاء العالم عن طريق الإذاعات والمساجد والمجلات والنشرات.
أصبح عزام جامعاً أساسياً للتبرعات من المجتمع الإسلامي الدولي، حيث أسس مكتباً للخدمات في بيشاور، وكان هذا المكتب مركزاً للاستضافة ونقطة انطلاق نحو معسكرات التدريب في أفغانستان.
أحد الشبان الذين وصلوا إلى باكستان وقتها، كان أسامة بن لادن، الشاب السعودي الجامعي الذي أصبح واحداً من الأتباع المخلصين. وتحت وصاية عزام نفسه، أمضى بن لادن فترة وجيزة في القتال جنباً إلى جنب مع المتطوعين العرب في أفغانستان، ولكن الأهم من ذلك، أنه استنسخ نموذج عزام، وأنشأ مكتبه الخاص في بيشاور، لجلب المساعدات، ودعم نظام عبد الله عزام.
في العام 1988، بدأ الاتحاد السوفياتي انسحابه من أفغانستان مانحاً "المجاهدين" الأفغان نصراً مظفراً، إلا انه ترك وراءه جيشاً من المقاتلين الإسلاميين الأجانب.
وبعد انتهاء "الواجب الجهادي"، كان الجزء الأكبر من المقاتلين العرب، غير مرحب به في بلاده، وبالتالي افتقد بوصلة التوجيه والقيادة. غير أن الاحترام الذي ناله بن لادن من "المجاهدين"، بالإضافة إلى ثروته الشخصية، جعلاه في وضع فريد لتسخير طاقات المقاتلين تزامناً مع الانسحاب السوفياتي.
وفي الوقت الذي اعتبر فيه عزام وغيره أنه يجب إعادة توجيه هؤلاء المقاتلين الأجانب، إلى القتال في فلسطين، ارتأى بن لادن بدلاً من ذلك، إنشاء منظمة مستقلة تعرف باسم "القاعدة". وسعى هذا التنظيم ليكون مركزاً وقاعدة تدريب متكاملة للمساعدة على دعم المقاتلين العرب، للقيام بحملات جهاد أخرى في جميع أنحاء العالم.
وبعد فترة ليست طويلة، قام مجهولون في بيشاور باغتيال عزام، المعلم الذي تحول إلى منافس محتمل لبن لادن، ما مهد الطريق لصعود تنظيم "القاعدة".
وعاد بن لادن إلى السعودية، تزامناً مع غزو العراق للكويت، الذي شكل تهديداً للمملكة. نشوة "الانتصار" في أفغانستان، جعلت بن لادن يعرض جهود قواته المقاتلة الأجنبية من "القاعدة" على الحكومة السعودية، كوسيلة للدفاع عن السعودية ضد أي عدوان عراقي.
وبدلاً من ذلك، سعت السعودية لحماية الولايات المتحدة، وإهانة بن لادن، من خلال إدخال من يعتبرهم بن لادن "الملحدين" إلى الأراضي المقدسة. دان بن لادن جهاراً هذا العمل، وبذلك فُتحت عليه أبواب الغضب السعودي، ونُفي من المملكة.

المرحلة الانتقالية - 1992
في العام 1992، وبعد نفيه إلى السودان، حدد بن لادن مسار تطور "القاعدة" وعملياته ضد الولايات المتحدة. وانتقلت غالبية قيادات هذا التنظيم إلى الخرطوم حيث أنشأ بن لادن أعمالاً مشروعة للتغطية على تحول سري لـ"العنف القاعدي" نحو الغرب.
الاعتداء الأول لتنظيم "القاعدة" كان في كانون الأول من العام 1992، بتفجير فندق "الجيدور" في اليمن. إلا ان بدائية التنظيم أفشلت الهجوم، حيث قتل التفجير سائحين نمساويين، بينما كانت العملية تستهدف جنوداً أميركيين كانوا في طريقهم لأداء مهمة عسكرية في الصومال.
خلال الأيام الأولى في السودان، أوفد "القاعدة" فرقاً للتكامل والاندماج مع الإسلاميين في جنوب الصومال. ومن العام 1992 وحتى العام 1994، حاول التنظيم، من دون جدوى، تدريب الميليشيات الصومالية، لدفعها الى مهاجمة القوات الغربية وقوات الأمم المتحدة.
فبعد أكثر من خمس سنوات على إنشائه في أفغانستان، فشل تنظيم "القاعدة" في شن أي هجوم له نتيجة مؤثرة، أو على الأقل كسب القدرة على الاجتذاب في مقاومة الغرب.
لذا، واصل بن لادن الضغط على الحكومة السعودية لطرد الأميركيين من أراضيها. فتعرضت السودان بدورها لضغوط دولية، أدت إلى طرد بن لادن المحبط، الذي وجد في أفغانستان مجدداً ملاذاً آمناً، وهذه المرة تحت حماية "طالبان" والملا عمر.

الفتويان الشهيرتان 1996-1998
عودة بن لادن إلى أفغانستان أدت بسرعة إلى شراكة قوية مع "طالبان". فأنشأ تنظيم "القاعدة" معسكرات تدريب في شرق البلاد، لتدريب المسلحين للقتال ضد الهنود في كشمير، بالإضافة إلى تدريب عناصر لدعم جهود "طالبان" لزيادة الأمن في أفغانستان.
إلا ان الأهم حصل في العام 1996، وفي شهر آب تحديداً، حيث كان الإعلان الرسمي الأول لبن لادن ولـ"القاعدة"، بإصدار فتوى "إعلان الحرب ضد الأميركيين الذين يحتلون أرض الحرمين الشريفين".

والمفارقة هنا، أنه قبل هذه الفتوى، جرى الهجوم على مجمع سكني في مدينة الخبر السعودية، في 25 تموز العام 1996، ووقع بالقرب من شركة النفط الوطنية "أرامكو". ومن المعلوم أن أبراج الخبر كانت تُستخدم لإيواء الجنود الأميركيين.
الفتوى الثانية لبن لادن، صدرت في شباط العام 1998، حيث اقترح مزيداً من التوسع في أهداف "القاعدة" وتنامي قوة شبكتها. وأعلن وقتها إنشاء ما أسماه "الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين". هذه الفتوى كانت بعنوان "الجهاد ضد اليهود والصليبيين"، وشارك في التوقيع عليها العديد من القادة الآخرين من الجماعات الإسلامية، وأبرزهم أيمن الظواهري، زعيم تنظيم "الجهاد" في مصر.
كانت هذه الفتوى، على غرار وعظ معلم بن لادن عبد الله عزام، الذي أكد سابقاً أن "الجهاد" واجب على كل مسلم، وأن الجهاد يجب أن يستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل.
هاتان الفتويان، بالإضافة إلى كتابات الظواهري الاستراتيجية، أسستا لبداية ظهور خلافة عالمية تحكمها الشريعة. وبحسب الفتاوى وما يرويه الظواهري، فإن الدفاع عن المسلمين بسبب الجرائم التي تُرتكب ضدهم، تشمل الوجود الأميركي في شبه الجزيرة العربية، والضرر الذي لحق بالشعب العراقي الناجم عن العقوبات الغربية، واحتلال أراضي المسلمين في فلسطين وكشمير وأماكن أخرى؛ وحتى الذين يدعمون الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (أي، "العدو القريب").
إذاً، فالفكرة لتأمين الخلافة العالمية، كانت بالهجوم على "العدو البعيد"، أي الولايات المتحدة وحلفائها، ما يؤدي إلى إطاحة "العدو القريب" تلقائياً.

تراكم الخبرة 1998-2000
بعد إعلان الحرب رسمياً على الولايات المتحدة، والحماية المؤمنة من قبل "طالبان" في ملاذ بعيد، بدأ تنظيم "القاعدة" برسم خطط عدة، لاستهداف الولايات المتحدة مباشرة.
وباستخدام شبكاته وخبراته من "غزوة" الصومال في أوائل العام 1990، خطط "القاعدة" ونفذ أول هجوم كبير بتفجير سفارتي الولايات المتحدة في العاصمة الكينية نيروبي، ودار السلام في تنزانيا في وقت واحد في آب العام 1998. هذا الهجوم المزدوج، الذي أوقع مئات الضحايا، أشار إلى تحول كبير في قدرات "القاعدة" واهدافه.
والجدير بالذكر، أن الولايات المتحدة ردت على هاتين العمليتين بهجوم بصواريخ "كروز" على مواقع في السودان وأفغانستان، ولكن هذه الهجمات المضادة لم تفعل شيئاً من ناحية تهدئة فورة "القاعدة".
ففي تشرين الأول العام 2000، هاجم تنظيم "القاعدة" المدمرة الاميركية "يو أس أس كول" قرب ميناء عدن في اليمن. هذا الهجوم أسفر عن مقتل 17 بحاراً أميركياً، ولم يثر أي ردة فعل جدية من قبل واشنطن، ما أدى إلى استمرار التنظيم في التخطيط بشكل أكبر لهجمات أكثر تفصيلاً على الولايات المتحدة، من خلال معسكرات التدريب الخاصة به، وشبكته المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.
وبالعودة إلى العامين 1998 و1999، كان أسامة بن لادن قد أعطى موافقته لخالد شيخ محمد، لإعداد وتنفيذ الهجمات على الولايات المتحدة في 11 أيلول العام 2000، وهو ما يُعرف بـ"هجمات الحادي عشر من أيلول" على برجي التجارة العالميين.

علي شقير

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2663&ChannelId=64511&ArticleId=154#.UsvhXtJdX3M

سوريا: الحشيش يغزو الشمال

سوريا: الحشيش يغزو الشمال

علاء حلبي
القنب الهندي، تلك النبتة التي لطالما اشتهرت أفغانستان بزراعتها، أصبحت الآن سوريّة. ففي الشمال البعيد عن ساحات المعارك، بدأ القنب الهندي، الذي يصنع منه الحشيش، ينمو بحريّة، بعد أن وجد أرضاً خصبة، وأيادي استغلت الفراغ الأمني فبدأت برعايته بحثاً عن الثروة، وأخرى وجدته مصدر تمويل لحربها.
على طول الشريط الحدودي مع تركيا، والخارج عن سيطرة الحكومة السورية، بدأ مزارعون ينتجون نبتة القنب الهندي، حيث تزرع في بقع موزعة بين القرى، من ريف الرقة، إلى ريف حلب، وصولاً إلى ريف إدلب.
لا توجد إحصاءات دقيقة عن المساحات التي باتت مزروعة بالقنّب، إلا أن أهالي من ريف حلب الشمالي يؤكدون لـ«السفير» أن زراعة هذه النبتة بدأت تزدهر وتنمو بشكل مطرد.
ويقول مواطن يعيش في إحدى قرى اعزاز شمال حلب «على الرغم من معرفة الجميع أن القنب الهندي بدأ يُزرع وينتشر، إلا أن أحداً لا يجرؤ على الحديث عن الأمر خشية ملاحقته من ممولي هذه الزراعة». ويضيف «لا يفصح من يزرع القنب عن الجهة أو المجموعة التي تدعمهم، أو تقوم بتشغيلهم في زراعته، إلا أن تنامي هذه الزراعة يدلّ على أن الجماعة التي تدعمهم تتمتع بسلطة في هذه المنطقة».
وفي حين يسيطر تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) على مدينة اعزاز، وتتقاسم فصائل «جهادية» و«إسلامية» أخرى السيطرة على قرى اعزاز، أبرزها «لواء التوحيد» التابع لجماعة «الإخوان المسلمين»، يؤكد مصدر معارض، خلال حديثه لـ«السفير»، أن زراعة القنب الهندي بدأت تزدهر منذ توافد «الجهاديين» إلى سوريا، خصوصاً هؤلاء القادمين من أفغانستان، سواء ممن ينتمون إلى حركة «طالبان»، أو الذين ينتمون لتنظيم «القاعدة»، مشيراً إلى أن الأراضي في المناطق الحدودية مع تركيا تبدو مناسبة لزراعة هذه النبتة، إضافة إلى وجود شريط حدودي طويل، يساعد على تهريب المنتجات إلى خارج سوريا عبر تركيا، أو حتى توزيعها في الداخل السوري.
ويقول «صحيح، أن الجهاديين يدّعون محاربتهم لهذه الزراعة، إلا أن جميع الأدلة تشير إلى أن ازدهارها يتم برعايتهم، فهي مصدر تمويل مهم، خصوصاً أنها باتت مطلوبة في الداخل السوري»، مذكّراً بأن أفغانستان، التي تعتبر أحد أهم معاقل «الجهاديين» في العالم، تصدرت في العام 2010 قائمة الدول الأكثر إنتاجاً للحشيش.
بدوره، يشير مصدر كردي إلى أن ظاهرة زراعة الحشيش انتشرت في بعض المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل كردية، شمال حلب، موضحاً أن «الوحدات الكردية تحاول منع انتشار هذه الزراعة ومعاقبة من يقدم على زراعتها».
وأوضح «انتشرت زراعة وإنتاج الحشيش في منطقة عفرين والنواحي التابعة لها، حيث تمّت زراعتها بكثافة وبشكل سري، قبل أن تقوم الوحدات الكردية التي تبسط سيطرتها على المنطقة بشن حملة للقضاء على هذه الزراعة، والتي انتهت بمصادرة وإتلاف نحو 200 طن من نبتة القنب الهندي، ومصادرة نحو 35 ألف حبة مخدرة».
وفي حين يؤكد أن هذه المناطق لم تكن تشهد هذا النوع من الزراعة، يشير إلى أن «أمراء الحرب، وبعض ضباط الاستخبارات التركية يقفون وراء تمويل زراعة وإنتاج الحشيش». ويتابع «اعترف بعض من قام بزراعة الحشيش بأنه حصل على بذور النبتة عن طريق ضباط في الاستخبارات التركية».
وفي السياق ذاته، يؤكد مصدر متابع لنشاط «الجهاديين» في سوريا أن الفصائل «الجهادية»، خصوصاً المنتمية إلى «القاعدة»، تمارس لعبة في المناطق التي تسيطر عليها تهدف إلى تسويق الحشيش وضمان ارتفاع سعره. ويقول «يقومون برعاية إنتاج الحشيش وتوزيعه، وفي الوقت ذاته يشددون على حرمته ويطاردون بعض الحشاشين، ما يساهم بضمان ارتفاع سعره، على الرغم من انتشار زراعته وكثافة إنتاجه».
ويتقاطع ما قاله المصدر «الجهادي»، مع تصريح كان أدلى به وزير الداخلية السوري محمد الشعار، خلال لقاء تلفزيوني قبل أيام، والذي أكد فيه أن «الظروف التي تمر بها سوريا أوجدت البيئة الملائمة لمهربي المخدرات، سواء لتهريبها عبر سوريا إلى دول أخرى أو استثمارها في الداخل السوري»، لافتاً إلى أنه تم إلقاء القبض على تجار ومروجين كبار للمخدرات، مؤكداً أن «وزارته تبذل جهداً كبيراً في مكافحة هذه الظاهرة الخطيرة».
إلا أن نشاط وزارته يقتصر على المناطق الخاضعة لسلطة الدولة، حيث يشير مصدر حكومي إلى أن حملات أمنية عدة نفذتها قوى الأمن في سوريا استهدفت تجار المخدرات، آخرها في مدينة اللاذقية إلى شهدت «حالة انفلات بسيطة خلال الفترة الماضية، قبل أن يتم ضبطها وتتم ملاحقة تجار المخدرات ومروجيها».
من الجدير ذكره أن سوريا كانت، قبل بدء الأحداث في العام 2011، تعتبر شبه خالية من صناعة المخدرات، حيث تعتبر دولة عبور فقط، إذ يشدد القانون السوري العقوبات على متعاطي المخدرات وتجارها لتصل في بعض الأحيان إلى الإعدام، إلا انه ومع دخول الأحداث عامها الثالث، تلوح في الأفق زراعة المخدرات وصناعتها، كإحدى مخلفات حرب دمرت، ومازالت تدمر، الزراعة والصناعة، وأخيراً الإنسان السوري، الضحية الأكبر لهذه الحرب.